كيف فاجأت حماس النظام الصهيوني في عملية طوفان الأقصى؟

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الأجهزة الاستخباراتية للنظام الصهيوني كانت تمتلك معلومات وخططًا وتحذيرات حول احتمالية وقوع هجوم واسع، إلا أنها أخفقت في تقديم تقييم صحيح لنوايا حماس وقدراتها والتوقيت المحتمل للهجوم. وأشار تقرير فريق خبراء قام الجيش الصهيوني بتشكيله لمراجعة جودة التحقيقات والدروس المستفادة من فشل 7 أكتوبر إلى ستة عوامل رئيسية لهذا الفشل، منها فشل مفاهيمي واستخباري، وعدم التعامل الجاد مع خطة "أسوار أريحا"، وثقافة تنظيمية وعملياتية معطلة، وفجوة بين مستوى التهديد القائم والمواجهة العملياتية، وخطأ في اتخاذ القرار ونشر القوات ليلة الهجوم.
خطة خداع طويلة الأمد
وكشفت وثائق داخلية جديدة نشرتها صحيفة "جيروزاليم بوست" في يونيو 2026 عن وجود خطة مكتوبة لدى حماس للخداع الاستراتيجي تعود إلى عام 2022. وأكدت هذه الوثيقة على صياغة خطة خداع متعددة الأوجه تشمل أبعادًا دبلوماسية وعسكرية واقتصادية وعلاقات عامة. كما أوصت الوثيقة بتكرار استدعاء قوات النخبة في كتائب القسام وانتقالها بطرق مختلفة، وزيادة التدريبات الروتينية بالقرب من الحدود، مما يقلل من قدرة العدو الصهيوني على تحديد لحظة الهجوم. وتتوافق هذه البيانات مع نتائج تحقيقات وحدة الاستخبارات العسكرية للنظام الصهيوني، التي أفادت بأن حماس اتخذت قرارها بالمضي قدمًا في خطة الهجوم منذ عام 2022، لكنها حافظت على مستوى معين من الهدوء والمفاوضات في الفترة التي سبقت الهجوم، مما ساهم في ترسيخ قناعة لدى المحتلين بأن حماس لا ترغب في حرب واسعة.
لم تكن عملية الخداع مجرد "تمويه" في الأيام الأخيرة، بل كانت عملية طويلة الأمد تهدف إلى ترسيخ قناعة لدى المحتلين بأن حماس، أكثر من استعدادها للدخول في مواجهة واسعة، تنشغل بإدارة غزة وتحسين ظروفها الاقتصادية والحفاظ على الهدوء.
صناعة صورة "حماس المقيّدة"
وبحسب وثائق أعدها مركز "مائير أميت" الاستخباري ونشرتها صحيفة "جيروزاليم بوست"، وجهت حماس رسائل تفاوضية إلى العدو الصهيوني لجعل المحتلين غير قادرين على تحديد لحظة تحول النشاط الروتيني إلى استعداد فعلي للهجوم. وتؤكد تحقيقات وحدة الاستخبارات العسكرية للنظام الصهيوني، التي نُشرت في فبراير 2025، أن المؤسسة الأمنية لهذا النظام كانت ترى حماس لسنوات كـ "جماعة واقعية" و "مقيّدة"، ترى في سيطرتها المدنية على غزة منفعة استراتيجية وتسعى للتفاهم مع المحتلين. كانت حماس تكرر تدريباتها وتمارينها في قالب روتيني. ولم يكن هدف الخداع أن "لا يرى" المحتلون شيئًا، بل أن يروا العلامات الحقيقية، ولكنهم يخطئون في تفسيرها.
"الصمت" كان جزءًا من الخطة
تشير دراسة أكاديمية أجراها الباحث الصهيوني "مهند سلوم"، نُشرت إلكترونيًا في نوفمبر 2025 في مجلة "المعلومات والأمن القومي"، إلى أن نجاح خطة الخداع استند إلى أربعة عناصر رئيسية: أمن عملياتي صارم، وجمع معلومات عبر مصادر عامة وأدوات سيبرانية، ومعلومات بشرية، وتطوير جهاز استخباري مضاد للتجسس على مدى سنوات. حاولت حماس منع العدو من الوصول إلى مؤشرات كافية حول وقت الهجوم. وقد شكلت هذه الحركة على مر السنين منظومة استخباراتية ومكافحة تجسس، جمعت من خلالها، باستخدام موارد بشرية ومصادر عامة، معلومات عن الصهاينة وفهمت آليات عملهم ونقاط قوتهم وضعفهم.
النظام الصهيوني لم يؤمن بوقوع الهجوم
لم يكن النظام الصهيوني والمحتلون على اطلاع تام بسيناريو الهجوم. وبحسب تحقيقات فرع الاستخبارات العسكرية لهذا النظام، والتي نُشرت في عام 2025، كانت المؤسسات الأمنية تمتلك لسنوات معلومات حول خطة هجوم واسعة، بل وحصلت على نسخة منها في عام 2022، وهي الوثيقة المعروفة باسم "أسوار أريحا". تضمنت هذه الخطة هجومًا لعدد كبير من القوات النخبة على حدود النظام الصهيوني وغزة والوصول إلى المستوطنات والمواقع العسكرية في جنوب فلسطين المحتلة. وأظهرت التحقيقات أن هذه الوثيقة قُدمت إلى كبار مسؤولي الاستخبارات والقيادة الجنوبية، لكنها عُوملت كـ "تصور غير واقعي" ولم تتحول إلى سيناريو عملي يستعد له الجهاز العسكري. كذلك، في الأشهر التي سبقت 7 أكتوبر، وصلت معلومات إلى عناصر الوحدة 8200 تفيد بتدريبات حماس لتنفيذ هجوم واسع. وخلص بعض خبراء التجسس إلى أن هذا كان خطة عملياتية، لكن هذه التقييمات لم تصل بفعالية إلى المسؤولين الصهاينة الكبار. وخلصت التحقيقات الصهيونية إلى وجود فجوة متزايدة بين الصورة التي رسمتها المؤسسات الاستخباراتية عن حماس وبين واقع قدراتها وأهدافها. كما أشارت التحقيقات إلى ثقافة استخباراتية خاطئة، اعتمدت على الثقة المفرطة في التفوق الاستخباري والتقني، وحاولت التشكيك في التقييمات الموجودة وحجم البيانات الضخم المتاح للعدو.
المقاومة راقبت المحتلين
تضيف دراسة أكاديمية جديدة حول "الخداع الاستراتيجي" عنصرًا آخر غالبًا ما يتم تجاهله في رواية 7 أكتوبر: أن العمليات الاستخباراتية لم تكن أحادية الجانب. وبحسب مهند سلوم، طورت حماس على مر السنين قدرات لجمع المعلومات عن عدوها، بما في ذلك مصادر عامة، ومعلومات بشرية، وعمل استخباري، بالإضافة إلى نظام مكافحة التجسس والأمن العملياتي الموجود لدى حماس. يعتقد هذا الباحث أن هذه القدرات ساعدت حماس على فهم البيئة الاستخباراتية التي تعمل فيها وتصميم عملية الخداع بحيث تستفيد من نقاط ضعفها. في المقابل، أظهرت التحقيقات العسكرية الإسرائيلية أن الجيش بنى سيناريوهاته الدفاعية على افتراضات أصغر بكثير من حجم الهجوم الفعلي. أخطر سيناريو تسلل اعتقدت خدمة التجسس للنظام الصهيوني أنه يشمل حوالي 70 مقاتلاً يعبرون عبر نقطتين، أو ثماني نقاط كحد أقصى، من الجدار، بينما دخلت قوات المقاومة من عشرات المسارات. وبحسب تحقيق نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وصل عدد مسارات التسلل في هذا الهجوم إلى 59 مسارًا، عبر 114 ثقبًا في الجدار، تم في إطار هجوم تضمن موجات متعددة.
اليد العليا في اختيار وقت الهجوم
لم يرتبط عنصر المفاجأة بسرية العملية فحسب، بل بالتوقيت أيضًا. وتشير دراسة سلوم إلى أن الهجوم وقع صباح يوم السبت، بالتزامن مع نهاية "عيد سوكوت" في الأراضي المحتلة، وهو الوقت الذي كانت فيه مستويات استعداد واستجابة المحتلين لمواجهة هجوم بهذا الحجم أقل من أي وقت مضى. تعتقد الدراسة أن اختيار التوقيت كان جزءًا من إلمام بنمط عمل الجهاز العسكري الإسرائيلي. وبحسب وثائق كشفت عنها "جيروزاليم بوست"، تضمنت خطة حماس دراسة اللحظات التي يقل فيها تركيز الدفاع لدى المحتلين. حافظت حركة حماس في الفترة التي سبقت الهجوم على مستوى معين من الهدوء لتعزيز هذا التصور بأن الأمور عادت إلى طبيعتها. وبحسب التحقيقات الإسرائيلية، أنهت حماس قبل الهجوم بنحو أسبوع مسيرات حدود غزة، والتي فسرها الصهاينة كجزء من محاولة لإقناع أنفسهم بعودة الأوضاع إلى الهدوء.
لماذا انهارت مقاومة الصهاينة في الساعات الأولى؟
بعد عبور الحدود، انتشرت قوات المقاومة في عدد كبير من المحاور واستهدفت المواقع العسكرية وأنظمة المراقبة، مما أدى إلى الارتباك في تحديد حجم الهجوم واتجاهه. وتشير التحقيقات العسكرية للنظام الصهيوني إلى أن غرفة عمليات الجيش لم تتمكن في الساعات الأولى من بناء صورة دقيقة لحجم الهجوم. كما أشارت التحقيقات اللاحقة المتعلقة بالعديد من المناطق والمستوطنات إلى تأخير في وصول القوات واضطراب في أنظمة القيادة والسيطرة والاستجابة.
