الحرب على إيران: ورطة ترامب الانتخابية وتكلفة الصراع على طاولة الجمهوريين

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، اختباراً صعباً يتمثل في كيفية إدارة التكاليف المتزايدة للحرب، والاستياء الاقتصادي، وتراجع الدعم الشعبي، خاصة مع إصرار ترامب على استعراض القوة ومواصلة الضغوط العسكرية ضد إيران.
وتشير استطلاعات الرأي إلى انخفاض شعبية ترامب إلى 33% وتراجع الدعم للحرب العسكرية ضد إيران إلى 31%، إلى جانب قلق واسع النطاق لدى الأمريكيين من طول أمد الصراع، مما يجعله قضية انتخابية مباشرة للجمهوريين.
أمريكا على حافة الإرهاق
يرى الخبراء أن الحرب ضد إيران ليست مجرد اختبار لقدرة أمريكا على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، بل أصبحت اختباراً لقدرتها على الحفاظ على قوتها العسكرية في حرب استنزاف. وتفيد تقارير بأن الهجمات الإيرانية استهدفت مئات المواقع التي تستخدمها القوات الأمريكية، مما يقوض الافتراض القديم بحصانة القواعد الأمامية والسفن الأمريكية.
علاوة على ذلك، فإن الضغط على مخزونات الذخيرة والحاجة إلى إعادة بنائها يزيد من تكلفة استمرار العمليات، مما يعني أنه بينما لا تزال واشنطن تمتلك القدرة التشغيلية، فإن الحفاظ على هذا المستوى من العسكرة لفترة طويلة لم يعد سهلاً كما كان.
تتجلى هذه الهشاشة أيضاً على المستوى الإقليمي. فبدلاً من أن تكون شبكة القواعد الأمريكية وحلفائها دعماً لقوة واشنطن، قد تتحول إلى نقاط للضغط المتبادل في حال اتساع نطاق الحرب. وفي الوقت نفسه، دفعت التحركات الجديدة لأنصار الله في الساحل الغربي لليمن، والاستيلاء على منطقة مخا وس ومنطقة مـيون الاستراتيجية، نطاق الضغط إلى باب المندب، الذي أصبح الآن، إلى جانب مضيق هرمز، ثاني أهم ممر مائي حيوي يهدد أمن طرق الطاقة والتجارة.
[//media.mehrnews.com/d/2026/09/12/0/6170841.png?ts=1789223135437]
وتزداد أهمية الأمر عند النظر إلى مضيقي هرمز وباب المندب معاً. ففي حين تسببت الحرب في اضطراب كبير في عبور النفط عبر هرمز، فإن تثبيت موقع أنصار الله في باب المندب يعرض أيضاً طريق نقل الطاقة البديل للتهديد، لدرجة أن الهجوم على البنية التحتية النفطية السعودية أدى إلى توقف مؤقت لعمل خط أنابيب شرق-غرب في البلاد. وفي ظل هذه الظروف، تجاوز سعر النفط عتبة 100 دولار. ولذلك، لا تواجه واشنطن عدواً واحداً في جغرافية واحدة، بل يجب عليها في الوقت نفسه تحمل تكاليف تأمين ممرين استراتيجيين ودعم حلفائها.
وفي هذا السياق، لم تعد المسألة الرئيسية هي ما إذا كانت أمريكا تستطيع الهجوم أم لا، بل الشك الاستراتيجي يكمن في ما إذا كانت قادرة على الحفاظ على هذا المستوى من الصراع، وحماية قواتها وقواعدها، وتوفير الذخائر، وضمان أمن طرق الطاقة لفترة طويلة، وتحقيق إنجاز سياسي واضح في النهاية. عندما تؤثر حرب ما على مخزونات القدرات العسكرية، وتجعل القواعد الأمريكية أكثر عرضة للخطر، وتوسع نطاق الأزمة من هرمز إلى باب المندب، فإن محدودية القوة الأمريكية لم تعد مجرد ادعاء سياسي، بل أصبحت مسألة تشغيلية واستراتيجية.
ترامب بين تصعيد الحرب والهروب من الهزيمة
على عكس التوقعات التي اعتبرت اقتراب انتخابات التجديد النصفي سبباً لزيادة حذره، لم يتراجع ترامب عن مواصلة الهجمات ضد إيران، بل استأنف الاعتداء العسكري بعد فترات توقف مؤقتة، على الرغم من الإخفاقات الماضية. وأظهر استمرار الهجمات العدوانية لمدة 13 ليلة متتالية، ثم استهداف مناطق مدنية بما في ذلك الهجوم على حفل زفاف في كوهستك، أن واشنطن لا تزال تأمل في تحويل الضغط العسكري إلى رافعة لفرض مطالبها، حتى لو زادت هذه المقاربة من التكاليف السياسية والأمنية.
[//media.mehrnews.com/d/2026/09/02/3/6158591.jpg?ts=1788326404406]
مع ذلك، فإن سلوك ترامب يعكس محاولة للهروب من الاعتراف بالهزيمة السياسية أكثر من كونه مؤشراً على استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب. ورغم أن واشنطن تستطيع استهداف المنشآت والأهداف بتكاليف باهظة ناتجة عن الرد الإيراني، إلا أن التدمير الكامل للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، التي أصبحت صناعات محلية، أو تغيير البنية السياسية للبلاد لم يؤديا إلى نتيجة يمكن وصفها بالانتصار الحاسم.
لهذا السبب، يميل ترامب من ناحية إلى زيادة تكلفة المقاومة الإيرانية من خلال تكثيف الهجمات، ومن ناحية أخرى، يؤجل نهاية الحرب إلى مستقبل قريب، كما أشار مؤخراً إلى أن نهاية الصراع قد تكون بعد انتخابات التجديد النصفي.
هذا التناقض ظاهر أيضاً داخل أمريكا. فبينما يبرر ترامب الحرب كضرورة لاستعراض القوة الأمريكية، فإن الرأي العام لا يدعمه. وتشير استطلاعات رويترز/إبسوس إلى أن 31% فقط من الأمريكيين يؤيدون العمل العسكري ضد إيران، ويتوقع 83% أن يستمر الصراع لفترة طويلة. وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع أسعار الوقود والقلق بشأن التكاليف الاقتصادية للحرب قد وسع الفجوة بين رواية الحكومة عن النصر وتجربة المواطنين اليومية.
ولجبران هذه الفجوة، لجأ ترامب في الوقت نفسه إلى أدوات سياسية واقتصادية داخلية. ووعد بدفع 5000 دولار “أرباح ترامب” لكل شخص بالغ في حال احتفاظ الجمهوريين بالسيطرة على الكونغرس، في محاولة لتغيير مسار اللعبة الانتخابية؛ هذا يعني تحويل الحرب وتداعياتها الاقتصادية من نقطة ضعف سياسية إلى وعد ملموس للناخبين.
[//images.openai.com/static-rsc-4/fYmP9FOaSifRb_eV7boJ1ZDbZvomKbXbzTqciMXqK8T4rA6JxA7dJelY6YXExkYtJ26Tin4MKwmo1qCEQoOG3kUYLAxlvFC9fRjzpxrC1xA2HKjemIkDyC9VMK-t1mc4Y7TOBbokeEkqsXW9RHe6DZq8LGMd5rGnLjn4qnYGUbxlci4KTW-XieQm8UFY3cV8?purpose=fullsize]
يواجه هذا الوعد تساؤلات حول تكلفته التي تتجاوز تريليون دولار، ومصدر تمويله، وآثاره على العجز في الميزانية. ونتيجة لذلك، قبل الانتخابات، لا يمتلك ترامب طريق خروج سهل من الحرب ولا يمكنه تجاهل تكاليفها؛ لهذا السبب، لا يزال يتأرجح بين تكثيف الضغط لبناء صورة انتصار ومنع تحول الحرب إلى رمز لهزيمة الجمهوريين.
فاتورة الحرب على طاولة الجمهوريين
تقترب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية للجمهوريين في وقت لم تعد فيه الحرب مع إيران أزمة خارجية بعيدة، بل بدأت آثارها تتسرب مباشرة إلى الحياة الاقتصادية للناخبين. لقد حول اضطراب مضيق هرمز والتهديد المتزايد لباب المندب، وارتفاع أسعار النفط والوقود، أحد أهم قنوات انتقال تكلفة الحرب إلى داخل أمريكا؛ تكلفة تبدأ من محطة الوقود وتنتقل عبر النقل والإنتاج وأسعار السلع إلى الاقتصاد بأكمله.
وفي هذا السياق، كلما طالت الحرب، اضطر ترامب والجمهوريون إلى تقديم إجابة لقضية انتخابية، يشعر بها الناخب الأمريكي مباشرة في سلة مشترياته وتكاليفه الشهرية، على عكس العديد من قضايا السياسة الخارجية.
من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار وعد دفع عدة آلاف من الدولارات لكل أمريكي بالغ مجرد وعد اقتصادي. هذا الوعد جزء من محاولة ترامب لتغيير المعادلة السياسية للحرب؛ إذا كان ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الصراع قد جعلت الحرب عبئاً على الناخب، فإن الرئيس يحاول، على النقيض، تعريف منفعة مباشرة لنفس الناخب. بعبارة أخرى، يحاول ترامب تغيير فاتورة الحرب من “ما الذي ذهب من جيوب الأمريكيين؟” إلى “ما الذي سيصلك من الحكومة؟”
[//ktar.com/wp-content/uploads/2026/08/Election_2_26_Iran_Anniversary_58847.jpg]
لكن هذه التكتيك نفسه يحمل تناقضاً أساسياً؛ فدفع بمبالغ تصل إلى حوالي 1.2 إلى 1.35 تريليون دولار يتطلب موارد مالية محددة وقراراً من الكونغرس، وإذا كان مصحوباً بزيادة في العجز المالي أو ضغوط تضخمية، فقد يؤدي إلى تفاقم جزء من المشكلة التي يهدف الوعد الانتخابي إلى معالجتها.
تتعلق المشكلة الأعمق للجمهوريين بالثقة السياسية. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن شعبية ترامب تبلغ حوالي 33%، و31% فقط من الأمريكيين يؤيدون الهجوم العسكري على إيران؛ وفي المقابل، يتوقع 83% أن تستمر الحرب لفترة طويلة. وهذا المزيج من الأرقام له أهمية كبيرة لأنه يشير إلى أن المسألة ليست مجرد معارضة لعملية عسكرية محددة، بل أن جزءاً من المجتمع الأمريكي قد شكك أساساً في قدرة الحكومة على إنهاء الأزمة بسرعة وبتكلفة منخفضة.
إذا لم يتمكن ترامب من تقديم إنجاز واضح بحلول الانتخابات، فقد يحل محل رواية القوة والنصر رواية الحرب الطويلة، والوقود الغالي، والتكاليف المتزايدة؛ وهي رواية ستكون أكثر خطورة على المرشحين الجمهوريين في الدوائر الانتخابية التنافسية من مجرد انخفاض بسيط في شعبية الرئيس.
من هذا المنطلق، يمكن فهم إصرار ترامب على مواصلة سياسات تأجيج الحرب بشكل أفضل. فالتراجع دون نتيجة قابلة للعرض ليس مجرد نهاية لعملية خارجية بالنسبة له، بل يمكن أن يعني قبول هذه الفرضية بأن القوة العسكرية الأمريكية لم تتمكن من تحقيق الهدف السياسي الذي تسعى إليه واشنطن. ولذلك، وقع ترامب في معادلة صعبة: استمرار الحرب يزيد من التكاليف الاقتصادية والانتخابية، وإنهاءها دون إنجاز ملموس يحمل خطر تحويل الحرب إلى رمز لفشل الحكومة.
لهذا السبب، فإن انتخابات التجديد النصفي ليست مجرد منافسة على مقاعد الكونغرس للجمهوريين؛ فالناخبون سيختارون فعلياً بشأن سجل السياسات الذي يحاول ترامب تحويله من أزمة انتخابية إلى رواية انتصار من خلال استعراض القوة، ووعد الـ 5000 دولار، ووعد إنهاء الحرب بعد الانتخابات.
