الحرب الإيرانية وكابوس ترامب السياسي: فاتورة يتعين على واشنطن دفعها

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن تزايد معارضة الرأي العام الأمريكي للحرب الفاشلة ضد إيران، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود والمخاوف بشأن الخسائر العسكرية، قد تحول إلى أحد التحديات الخطيرة التي تواجه إدارة دونالد ترامب، تحدٍ قد تتجاوز آثاره العسكرية تضعيف موقف الجمهوريين في الانتخابات النصفية للكونغرس والحد من السلطة السياسية للرئيس الأمريكي.
أظهر استطلاع حديث لمركز بيو للأبحاث أن 65% من الأمريكيين يعارضون طريقة تعامل ترامب مع العمل العسكري ضد إيران، بينما يدعم 33% فقط أداءه. وتشير هذه الأرقام، مقارنة بشهر مارس عندما بلغت نسبة المعارضة لأداء ترامب 61%، إلى زيادة الاستياء في المجتمع الأمريكي. تزداد أهمية هذا التطور عندما ندرك أن معارضة الحرب لا تقتصر على معارضي ترامب التقليديين، بل تظهر دلائل على تغير وجهات النظر بين الجمهوريين والمستقلين الذين يميلون إلى الحزب.
يجب النظر إلى هذا الاتجاه في إطار الفجوة بين الأهداف المعلنة لواشنطن والتكاليف التي يتحملها المجتمع الأمريكي لمواصلة العمليات العسكرية. قد تواصل إدارة ترامب التأكيد على ضرورة الضغط المستمر على طهران، لكن استمرار الصراع، وزيادة التكاليف الاقتصادية، والقلق من اتساع نطاق العمليات، يعزز تساؤلات الرأي العام الأمريكي حول ما هو تحقيق هذه السياسة، وإلى متى يجب على المواطنين الأمريكيين تحمل تكاليفها.
من وعد بالنصر السريع إلى القلق من حرب طويلة
أحد أهم مظاهر تغير المناخ العام في الرأي العام الأمريكي هو التشاؤم المتزايد بشأن موعد انتهاء الصراع. وفقًا لاستطلاع مركز بيو للأبحاث، يعتقد 47% من المشاركين أن الحرب ستستمر لأكثر من عام آخر، ويتوقع 30% أن يستمر هذا الوضع بين ستة أشهر وسنة. تظهر هذه الأرقام، مقارنة بشهر مارس عندما اعتقد 43% من الأمريكيين أن العمليات ستنتهي في ستة أشهر أو أقل، تغييرًا كبيرًا.
هذا التغيير في التوقعات له أهمية سياسية لإدارة ترامب، لأنه كلما بدا أفق نهاية الصراع أبعد، أصبح تبرير تكاليفه للرأي العام أكثر صعوبة. الحرب التي من المفترض أن تؤدي إلى نتيجة واضحة وسريعة، إذا تحولت إلى أزمة استنزاف، فإنها تقلل تدريجياً من رأس المال السياسي لمن بدأوها. في ظل هذه الظروف، وحتى دون حدوث تطور حاسم ميدانياً، فإن زيادة التكاليف وغياب رؤية واضحة لنهاية العمليات يمكن أن يغير تقييم المواطنين لأداء الحكومة.
في غضون ذلك، يجب التفريق بين معارضة طريقة إدارة الحرب ومعارضة أصل قرار استخدام القوة العسكرية. وفقًا لنفس الاستطلاع، يرى 34% فقط من الأمريكيين أن القرار الأولي لاستخدام القوة ضد إيران كان صائبًا؛ وهو رقم انخفض بأربع نقاط مئوية مقارنة بشهر مارس. لذلك، فإن المشكلة ليست فقط في كيفية تنفيذ العمليات، بل إن قرار الدخول العسكري نفسه يواجه المزيد من الشكوك. هذا الوضع يمكن أن يجعل جهود البيت الأبيض لتقديم استمرار العمليات كمسار ضروري ولا مفر منه أكثر صعوبة.
البنزين الغالي.. جبهة يواجهها ترامب داخليًا
على الرغم من أهمية التطورات العسكرية، فإن أحد أهم العوامل الحاسمة في المصير السياسي للحرب هو تأثيرها على الحياة اليومية للشعب الأمريكي. في السياسة الداخلية الأمريكية، يعد سعر الوقود أحد المؤشرات التي يشعر المواطنون بتغيراتها بشكل مباشر، وعادة ما ينسبون المسؤولية عن زيادة تكاليف المعيشة للحكومة القائمة. لهذا السبب، يمكن أن يكون لارتفاع أسعار البنزين تداعيات تتجاوز المجال الاقتصادي، لتصبح عاملاً في انخفاض شعبية الرئيس.
وفقًا للمعلومات المنشورة، وصل سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى حوالي 4 دولارات و 36 سنتًا للجالون، بزيادة تقدر بحوالي 40% مقارنة بالعام الماضي. في الوقت نفسه، يعرب 73% من الأمريكيين عن قلقهم الشديد بشأن ارتفاع أسعار البنزين والوقود. يعكس قلق 71% من المشاركين من إصابة أو مقتل جنود أمريكيين، وقلق 58% منهم من احتمال إرسال قوات برية إلى إيران، أن الرأي العام حساس للمخاطر الإنسانية والعسكرية للصراع، بالتوازي مع التكاليف الاقتصادية.
في هذا السياق، ربط مقال للكاتب ريكس هوبك في صحيفة يو إس إيه توداي بين ارتفاع أسعار الوقود والمسؤولية السياسية لترامب والجمهوريين في الكونغرس؛ الجمهوريون الذين، حسب قوله، لم يتخذوا أي إجراء لوقف الحرب. يعكس هذا التقييم حقيقة مهمة في السياسة الأمريكية: تكلفة قرارات الحكومة، في نهاية المطاف، يمكن أن تتحول إلى قضية انتخابية، وتضع ممثلي الحزب الحاكم تحت طائلة المساءلة.
إرسال المزيد من القوات.. دليل قوة أم صعوبة الخروج من الأزمة؟
في ظل تزايد علامات الاستياء العام، تصر إدارة ترامب على استمرار الحصار البحري لإيران، وتعتبر منع طهران من الحصول على أسلحة نووية من أهدافها. وتشير التقارير إلى إرسال حوالي 9 آلاف بحار وجندي مشاة أسطول، وثالث حاملة طائرات أمريكية إلى المنطقة؛ وهي تحركات قد ترفع عدد حاملات الطائرات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط إلى ثلاث بحلول نهاية أكتوبر.
قد تقدم واشنطن هذه الإجراءات كدليل على استمرار الضغط العسكري وزيادة قدرتها التشغيلية، لكن تعزيز الحضور العسكري وحده لا يثبت تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية. السؤال الحاسم هو ما إذا كانت زيادة القوات يمكن أن تؤدي إلى نتيجة مستقرة، أم أنها ببساطة تزيد من تكاليف ومخاطر استمرار الصراع. إذا فشلت العمليات العسكرية في تحقيق أهدافها المعلنة في الأفق الزمني المقبول، فقد يُنظر إلى نشر المزيد من المعدات والقوات، بدلاً من عرض النجاح، كعلامة على صعوبة المسار للخروج من الأزمة.
يعد انخفاض الدعم العام للحرب ضمن هذا الإطار أيضًا. أشارت شبكة سي إن إن الاقتصادية، بالإشارة إلى تراجع الدعم للعمل العسكري ضد إيران، إلى استطلاع مشترك لرويترز وإبسوس في أغسطس، والذي يفيد بأن 31% فقط من الأمريكيين دعموا هذا الإجراء. على الرغم من أنه يجب مراعاة اختلاف أوقات إجراء الاستطلاعات وطريقة طرح الأسئلة عند مقارنة النتائج، إلا أن مجموعة هذه البيانات تشير إلى وجود تحدٍ خطير لإدارة ترامب في كسب رضا الرأي العام.
قد تتضح تداعيات هذا الوضع بشكل أكبر في الانتخابات النصفية للكونغرس. إذا ربط الناخبون بين زيادة تكاليف المعيشة، والمخاوف بشأن الخسائر العسكرية، وطول أمد الحرب، وقرارات الحكومة، فقد يخسر الجمهوريون جزءًا من دعمهم الانتخابي. كما أن تغيير تركيبة الكونغرس يمكن أن يزيد من قوة الديمقراطيين الإشرافية والتحقيقية، ويجعل مسار تنفيذ برامج الحكومة أكثر صعوبة.
في النهاية، فإن الحرب ضد إيران ليست مجرد قضية سياسة خارجية لترامب؛ لقد أصبح هذا الصراع اختباراً لمصداقية وعوده، وقدرة الحكومة على إدارة التكاليف، ومدى تحمل المجتمع الأمريكي لأزمة طويلة. إن زيادة الاستياء العام لا تعني وحدها فشلاً مؤكداً للجمهوريين في الانتخابات أو نهاية سلطة ترامب، لكنها يمكن أن ترفع التكلفة السياسية لمواصلة الحرب. إذا فشلت البيت الأبيض في تحقيق توازن بين الأهداف العسكرية، والتكاليف الاقتصادية، وتوقعات المجتمع الأمريكي، فقد تصدر فاتورة هذه القرارات في صناديق الاقتراع؛ حيث لا يمكن حتى للرئيس الأمريكي تجاهل تداعيات الاستياء العام.
