قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

تحليل: كيف يحاول وزير خارجية أمريكا استدعاء التاريخ لتبرير عدوانه ضد إيران

يحاول وزير الخارجية الأمريكي، بلينكن، استدعاء التاريخ وتصويره كأداة لتبرير سياسات بلاده العدوانية، في محاولة لإضفاء شرعية أيديولوجية على الحرب والضغط المتزايد على إيران، وذلك في ظل تنامي التوترات الإقليمية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، ألقى وزير الخارجية الأمريكي خطاباً في تلة فينيكس بأثينا، موقع تجمع مواطني أثينا القديمة، حيث استدعى ذكرى غزو خشایارشا عام 480 قبل الميلاد، وتحدث عن إرث اليونان وضرورة استعادة قوة الغرب. يأتي هذا السرد، الذي تم تقديمه بعد الهجمات العدوانية الأمريكية والنظام الصهيوني ضد إيران، في ظل تصاعد التوترات الراهنة.

السؤال الرئيسي المطروح هو لماذا تلجأ واشنطن إلى حرب تعود إلى 25 قرناً لشرح سياساتها الحالية، وهل يمكن أن يصبح التأريخ الحضاري أداة لتبرير الحرب؟

تكشف دراسة تصريحات بلينكن أن هذا السرد، على الرغم من تأكيده على تراث اليونان القديمة وتعزيز التضامن الغربي، يواجه تناقضاً أساسياً. ينبع هذا التناقض من المقارنة بين مكانة المهاجم والمدافع في السرد التاريخي والواقع الحالي لمواجهة الولايات المتحدة مع إيران.

الأهداف الكامنة وراء خطاب بلينكن

يمكن تحليل خطاب بلينكن من ستة جوانب سياسية واستراتيجية، تتراوح من إضفاء الشرعية الأيديولوجية على الحرب إلى تعزيز التحالفات الغربية ومكانته السياسية الشخصية.

أ) إضفاء الشرعية الأيديولوجية على الحرب

ربط بلينكن غزو خشایارشا لأثينا بسرد استعادة حضارة الغرب، ودعا إلى عودة أمريكا وأوروبا إلى القوة والثقة بالنفس. لم يسمِ الحرب الحالية صراحةً استمراراً للصراع القديم بين إيران واليونان، لكن هذا الترتيب التاريخي يمكن أن يعكس الصراع الحالي في قالب مواجهة حضارية. تزداد أهمية هذا النهج عندما تواجه تبريرات إدارة «دونالد ترامب» للتوغل في الأراضي الإيرانية تساؤلات. في مارس 2026 (فبراير 2025)، قال بلينكن إن أمريكا هاجمت لأن إسرائيل كانت تنوي مهاجمة إيران، وهو تصريح أثار انتقادات حتى من بعض الشخصيات المقربة من تيار «ماغا». في مثل هذه الظروف، يمكن للسرد الحضاري أن يحول الانتباه بعيداً عن التساؤل حول ضرورة الحرب وأساسها القانوني.

ب) خلق الآخر من إيران

تجاهل بلينكن الانتهاكات التاريخية والاحتلالات الأمريكية، من مذابح السكان الأصليين في بلاده إلى قتل شعوب فيتنام والعراق وأفغانستان، ووصف الجمهورية الإسلامية بأنها «طائفة موت»، ووضعها في مواجهة القيم التي عرفها لحضارة الغرب. هذه اللغة تحول الخلاف السياسي إلى مواجهة هوياتية، وتمهد الطريق لتطبيع الضغوط والمواجهات. عندما يتم تصوير الطرف الآخر على أنه تهديد حضاري وليس منافساً سياسياً، تصبح إمكانية دراسة المصالح والمسؤوليات والسبل الدبلوماسية لحل النزاعات محدودة. كما أن هذا التصوير يتجاهل الاختلاف بين الشعب الإيراني والثقافة الإيرانية والهيكل السياسي للبلاد، ويخلق صورة موحدة للعدو.

ج) الضغط على أوروبا

دعا بلينكن الدول الأوروبية إلى زيادة قدراتها الدفاعية وأن تكون أكثر نشاطاً في مواجهة التهديدات المزعومة للغرب. جاءت هذه الرسالة في سياق خلافات واشنطن وأوروبا بشأن التكاليف الدفاعية، وحلف الناتو، والاستقلال الاستراتيجي. كان اختيار أثينا والتأكيد على الإرث المشترك للغرب، إلى جانب المحادثات الأمريكية اليونانية حول الدفاع والطاقة، يمكن أن يساعد في تعزيز توافق أوروبا مع أولويات واشنطن الأمنية. وبالتالي، فإن السرد الحضاري، بالإضافة إلى جانبه التاريخي، حمل رسالة سياسية لحلفاء أمريكا أيضاً.

د) ربط «أمريكا أولاً» بتراث اليونان

صاغ بلينكن سياسة «أمريكا أولاً» في إطار استعادة حضارة الغرب، وسعى لربط القومية والقوة العسكرية والثقة بالنفس بتراث اليونان. ومع ذلك، فإن الإشارة إلى التاريخ لا يمكن أن تخلق بحد ذاتها شرعية أخلاقية للسياسة الحالية. إن تراث ديمقراطية أثينا ليس ترخيصاً للتدخل العسكري أو تجاهل القانون الدولي، ولا يمكن أن يعفي نتائج الإجراءات الأمريكية من التقييم المستقل.

هـ) الأجندة الأمنية والطاقة

تزامن هذا الخطاب مع المحادثات الاستراتيجية الأمريكية اليونانية حول الطاقة والدفاع والتعاون الإقليمي، مما أبرز البعد العملي للزيارة. تتمتع اليونان بمكانة مهمة في المعادلات الأمنية والطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، ويمكن أن يساعد التعاون معها في الحفاظ على نفوذ واشنطن. ومع ذلك، فإن هذا التزامن وحده لا يثبت أن الخطاب قد صمم لتبرير اتفاق محدد؛ بل يشير إلى أن السرد التاريخي تم تقديمه في سياق أوسع من برنامج ثقافي.

و) التموضع السياسي لبلينكن

لفتت بعض وسائل الإعلام الأمريكية الانتباه إلى اللهجة الرئاسية للخطاب واحتمال تأثيره على مستقبل بلينكن السياسي. من خلال ربط التاريخ والهوية الوطنية والقوة العسكرية، قدم رؤية أكثر اتساقاً للأيديولوجية التي تتبناها إدارة ترامب. تم إلقاء خطاب بلينكن بهدف تعزيز مكانته كمرشح رئاسي محتمل في المستقبل بين أوساط المحافظين الأمريكيين.

لماذا فشل السرد التاريخي لبلينكن؟

من وجهة نظر المراقبين، واجه هذا السرد المزعوم لبلينكن ثلاثة تحديات أساسية: سجل الاستخدام الآلي للتاريخ، والتناقض بين المكانة المزعومة لأمريكا وسلوكها العسكري، وعدم القدرة على الإجابة على الأسئلة القانونية المتعلقة بالحرب.

1. تكرار نمط نتنياهو

في مارس 2017 (فبراير 2015)، ربط رئيس وزراء النظام الصهيوني «بنيامين نتنياهو» قصة عيد المساخر (بوريم) بإيران القديمة، ممثلاً لها كتهديد ضد اليهود. اتهم المسؤولون الإيرانيون نتنياهو بتحريف التاريخ، وأشاروا إلى قصة إنقاذ اليهود في عهد قورش وخشایارشا. كما أشار «فلاديمير بوتين» خلال لقائه مع نتنياهو إلى أن تلك الأحداث تعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، وأن عالم اليوم مختلف. هذه المرة، أبرز بلينكن غزو خشایارشا لأثينا بدلاً من عيد المساخر، لكن المشكلة ظلت قائمة؛ إلى أي مدى يمكن أن يكون التاريخ القديم أساساً للحكم على النزاعات الحالية؟

2. قلب دور المهاجم والمدافع

إذا كان من المقرر تعميم مقارنة بلينكن على الحرب الحالية، فيجب أن نتساءل أي طرف استخدم قوته العسكرية لمهاجمة الطرف الآخر. في ظل الظروف الحالية، شنت الولايات المتحدة والنظام الصهيوني هجمات عسكرية ضد إيران. لذلك، فإن استحضار أثينا كمدينة تعرضت للهجوم، لا يمكن أن يمنح واشنطن مكانة أخلاقية للضحية بحد ذاته. يصبح هذا التناقض أكثر وضوحاً عندما تؤكد أمريكا من ناحية على حقها في استخدام القوة، ومن ناحية أخرى تبني سردها على إدانة المهاجم القديم.

3. ثيموس؛ القوة بدون مسؤولية

استخدم بلينكن المفهوم اليوناني «ثيموس» للتأكيد على الشجاعة والفخر والإرادة، وربطه بضرورة استعادة قوة الغرب. ليست المشكلة في هذا المفهوم الفلسفي بحد ذاته، بل في الوظيفة التي يؤديها في حجته السياسية. لا تضمن القوة العسكرية بحد ذاتها شرعية استخدام القوة، ولا يمكن لأي إشارة إلى الفلسفة اليونانية أن تحل محل الإجابة على الأسئلة القانونية المتعلقة ببدء الحرب، وضرورة الهجوم، والمسؤولية عن عواقبها. انتقد «إسماعيل بقائي»، المتحدث باسم وزارة الخارجية، أخذ بلينكن للمفهوم، وقال إنه انتزع مفهوم ثيموس من سياقه الفلسفي ووضعه في خدمة تمجيد القوة.

4. درس أفول أثينا

لا يقتصر تاريخ اليونان القديمة على سرد المقاومة ضد المهاجم؛ بل إن تجربة الحملة الفاشلة لأثينا إلى صقلية خلال حرب بيلوبونيز تظهر أيضاً أن الطموح العسكري يمكن أن يستنزف موارد القوة ويؤدي إلى أفولها. هذه التجربة تستحق التأمل بالنسبة لأمريكا أيضاً؛ التفوق العسكري وحده لا يضمن النجاح السياسي، وزيادة التكاليف البشرية والاقتصادية للحرب يمكن أن تؤدي إلى إضعاف مصداقية القوة ونفوذها.

5. رد فعل إيران وتساؤل الحرب الذي لم تتم الإجابة عليه

واجهت تصريحات بلينكن رد فعل من مسؤولين إيرانيين وانتقادات من وسائل الإعلام المحلية. انتقد الكثيرون سرده بسبب استخدامه الانتقائي للتاريخ وربطه بالسياسة الحالية، واعتبرت بعض وسائل الإعلام الخطاب محاولة لخلق دعم تاريخي وأيديولوجي للحرب ضد إيران. تشير هذه ردود الفعل إلى أن مثل هذه السرديات لا تؤدي بالضرورة إلى إقناع الجمهور، ويمكن أن تزيد من حدة النقاش حول التاريخ والهوية.

ومع ذلك، يرى الخبراء أن الضعف الأهم في سرد بلينكن يكمن في الأسئلة التي لم يتم الإجابة عليها، مثل: لماذا بدأت الهجمات؟ ما هو أساسها القانوني؟ ما هي أهداف واشنطن؟ وما هو السبيل لإنهاء الصراع؟ لا يمكن لأي إشارة إلى خشایارشا أو تراث أثينا أن تحل محل المساءلة بشأن هذه القضايا.

لذلك، فإن محاولة بلينكن لربط تاريخ اليونان بسياسة «أمريكا أولاً» تواجه تناقضاً أساسياً؛ أمريكا تسعى لتقديم نفسها كسليلة حضارة وقفت في وجه المهاجم، بينما استخدمت هي نفسها القوة العسكرية للعدوان ضد إيران. هذا الانقسام بين السرد والأداء هو القيد الرئيسي لخطابه؛ لأنه إذا كان التاريخ معياراً للحكم، فيجب عليه أيضاً مساءلة القوى الحالية أمام المبادئ الأخلاقية والقانونية والإنسانية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, خبرگزاری مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى