قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

روبیو يربط النزاع مع إيران بمنطق ‘حرب الحضارات’ الأمريكية

في سياق غير مسبوق، ربط وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، في خطاب ألقاه بأثينا، بين التهديدات الأمريكية ضد إيران وبين مفاهيم حضارية عريقة، مقدماً الولايات المتحدة كوريث للحضارة الغربية وداعياً إلى الدفاع عنها.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو في أثينا، والذي ربط فيه بين التهديدات المتصاعدة ضد إيران ومنطق “حرب الحضارات”، يضع المواجهة الحالية في إطار أوسع من مجرد الخلافات النووية أو الاقتصادية.

استهل روبيو خطابه من تلة “فينيكس” في أثينا، بالقرب من الأكروبوليس، مشيراً إلى الأهمية التاريخية للمكان بالنسبة لليونان القديمة. وقد وصف نفسه بأنه وزير خارجية جمهورية أمريكا، وسليل المهاجرين من إسبانيا الذين وصلوا إلى العالم الجديد. ثم تحدث عن دين لا يمحوه الزمن ولا المسافة الجغرافية، وربط التاريخ الأمريكي بإرث العصور القديمة، مستشهداً بالتأثير اليوناني على العمارة الأمريكية، من الأعمدة والقباب وصولاً إلى المعالم في العاصمة. وسعى روبيو إلى إقامة صلة تاريخية بين اليونان القديمة وروما والمسيحية الأوروبية والتقاليد الإنجليزية المتحررة من جهة، وتشكيل الولايات المتحدة من جهة أخرى.

في هذا السياق، لا تُقدم الولايات المتحدة كقوة عسكرية واقتصادية فحسب، بل كوريث للحضارة الغربية وحامٍ لها. وحذر روبيو من أن قرارات العقد المقبل ستحدد ما إذا كانت الحضارة الغربية ستحتفظ بمكانتها في قمة العالم أم ستتجه نحو التآكل والانهيار. وبذلك، يربط الحفاظ على القوة الأمريكية بالدفاع عن الهوية والإرث الحضاري الغربي.

من خشایارشا إلى إيران اليوم

وكان أحد الأجزاء البارزة في خطاب روبيو استذكار غزوة جيش خشایارشا لأثينا عام 480 قبل الميلاد. ووصف روبيو مصير الأكروبوليس قائلاً: “لقد نهب الإيرانيون المعابد، وأحرقوا الأضرحة، وسووا الأكروبوليس بالأرض”.

إن وضع الهجوم الفارسي القديم على أثينا في بداية الخطاب، ومقارنة قادة إيران المعاصرين بالقيم الأخلاقية للغرب، ثم الدعوة إلى الدفاع عن الحضارة الغربية، يخلق إطاراً سياسياً محدداً. في هذا الإطار، لا تُعد إيران مجرد طرف في خلاف سياسي أو أمني، بل في الجانب المقابل للحضارة التي تقدم الولايات المتحدة نفسها كوريث لها. وتتضح أهمية هذه النظرة عندما يقول روبيو إن قرارات اليوم سترسم مصير القرن القادم، وعلى الغرب أن يتحرك للحفاظ على مكانته في قمة العالم. ودعا أوروبا إلى استعادة ثقتها بنفسها، وتعزيز قوتها العسكرية والصناعية، والاستعداد مرة أخرى للدفاع عن القيم التي يسميها إرث الحضارة الغربية.

الجريمة الرئيسية لإيران: تحدي النظام الأمريكي

يجب البحث عن المسألة الرئيسية في مكان آخر. ففي منطق النظام الذي تشكل تحت قيادة الولايات المتحدة، تتمتع الدول بحق الاختيار طالما أن قراراتها لا تتحدى الإطار العام لهذا النظام. فالقوى المهيمنة تحدد قواعد اللعبة وتتوقع من الآخرين، حتى لو اختلفوا مع هذه القواعد، أن يلتزموا بها في النهاية.

الدولة التي تخرج عن هذا الإطار لا تواجه مجرد خلاف سياسي أو أمني؛ بل قد تُوصف بأنها تهديد للاستقرار العالمي، أو للأمن الدولي، أو حتى للحضارة البشرية. من هذا المنظور، لا يمكن اختصار القضية الأكثر أهمية لإيران بالنسبة لواشنطن في الملف النووي، أو القدرات الصاروخية، أو العلاقات الإقليمية، أو مضيق هرمز. القضية هي أن إيران تريد أن تتخذ قراراتها بشكل مستقل عن إرادة الولايات المتحدة وأن تتحدى النظام القائم.

بمعنى آخر، ما هو غير مقبول لواشنطن ليس فقط السلوكيات المحددة لحكومة ما، بل احتمال تشكيل قوة لا تقبل القواعد التي حددتها الولايات المتحدة وتسعى لتغييرها. في هذا الإطار، يمكن أن يصبح الحصار، أو الحصار الاقتصادي، أو الضغط السياسي، أو حتى الهجوم العسكري، أدوات لإجبار دولة على قبول القواعد المرغوبة للقوة المهيمنة.

يمكن لتحليل أمثلة فنزويلا وسوريا أن يساعد في فهم هذا المنطق. فبعد العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا في يناير 2026، واعتقال نيكولاس مادورو، لم يتم تغيير الهيكل السياسي للبلاد بالكامل ليحل محله المعارضون السابقون. تولت ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو السابقة، الإدارة المؤقتة للبلاد، وظلت أجزاء من هياكل الحكومة السابقة قائمة في هيكل السلطة. وفي المقابل، دخلت العلاقات بين الحكومة المؤقتة وواشنطن مرحلة جديدة، وأصبحت عائدات النفط الفنزويلية تخضع لإشراف أمريكي. وأفادت تقارير وكالة رويترز باستمرار دور واشنطن في إدارة عائدات النفط والمستقبل الاقتصادي للبلاد.

في هذه الأثناء، لم يبد دونالد ترامب دعماً لانتقال السلطة إلى ماريا كورینا ماتشادو، الزعيمة الرئيسية للمعارضة لمادورو، وأعرب عن شكوكه في قدرتها على إدارة البلاد. وتظهر هذه التطورات أن التغيير الذي ترغب فيه واشنطن لا يعني بالضرورة زوال الهيكل السياسي السابق بأكمله وصعود المعارضين له؛ بل إن تغيير توجه الحكومة وتوافقها مع رغبات الولايات المتحدة يكتسب أهمية حاسمة في بعض الأحيان.

تمثل سوريا مثالاً آخر على تغيير مواقع اللاعبين في معادلات القوة. ففي السابق، كان أحمد الشرع، المعروف بجولاني، زعيماً لجماعة صنفتها الولايات المتحدة على أنها منظمة إرهابية، ووضعت مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار للحصول على معلومات تؤدي إلى اعتقاله. وبعد سقوط حكومة بشار الأسد في ديسمبر 2024، اتبعت واشنطن مساراً للتفاعل مع القيادة السورية الجديدة، وأعلنت أنها لن تتابع المكافأة المحددة لاعتقاله بعد الآن.

حدث هذا التغيير في ظل استمرار إسرائيل في شن هجمات داخل الأراضي السورية. ففي مايو 2025، وقع هجوم بالقرب من القصر الرئاسي في دمشق، أدانت الحكومة السورية الهجوم، لكنه لم يؤد إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل. ونتيجة لذلك، دخلت دولة يقودها زعيم جديد كان مطلوباً سابقاً من قبل الولايات المتحدة، مرحلة من التفاعل الدبلوماسي مع واشنطن؛ على الرغم من استمرار الخلافات والضغوط الخارجية.

تُظهر هذه الأمثلة أن مواقف اللاعبين في سياسة القوة يمكن أن تتغير بتغير سلوكياتهم وتوجهاتهم السياسية. فقد يصبح من كان يُعتبر عدواً بالأمس، شريكاً أو طرفاً في التفاوض اليوم، شريطة ألا يتحدى النظام الذي تريده الولايات المتحدة.

خاتمة

يجب النظر إلى خطاب روبيو في أثينا على أنه يتجاوز كونه مجرد خطاب تاريخي حول اليونان وروما. فمن خلال استذكاره لهجوم خشایارشا على أثينا، وتقديمه للولايات المتحدة كوريث للحضارة الغربية، ووضع قادة إيران المعاصرين في مواجهة القيم الأخلاقية للغرب، وضع روبيو الحرب المعاصرة في إطار حضاري. في مثل هذه الرواية، يكتسب الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة في قمة العالم، والدفاع عن النظام المرغوب لدى الغرب، أهمية تتجاوز الخلافات حول عدد قليل من الملفات المحدودة.

في مثل هذا النظام، قد يؤدي التوافق مع رغبات القوة المهيمنة إلى تحويل لاعب معادي إلى شريك وطرف في المفاوضات؛ لكن مقاومة القواعد التي تحددها تلك القوة قد تُقدم نفس الدولة كتهديد للأمن العالمي أو الاستقرار أو الحضارة. من هذا المنظور، يجب البحث عن أكبر مسألة تواجه واشنطن فيما يتعلق بإيران في محاولتها للحفاظ على استقلال قرارها وتحدي النظام الأمريكي. إن الملف النووي، والعقوبات، والقضايا الإقليمية، رغم كونها حقيقية ومهمة، لا تفسر القصة بأكملها. السؤال الأساسي هو: هل يحق لإيران أن تختار مسارها بشكل مستقل عن إرادة الولايات المتحدة وأن تلعب دوراً في تشكيل قواعد المنطقة والعالم، أم أنها ستضطر، للتحرر من الضغوط، إلى قبول نظام تحدده واشنطن؟

إذا كانت الولايات المتحدة تعتبر نفسها وريثة لليونان وروما، فلا يمكنها حصر تاريخ هذه الحضارات في انتصاراتها وإنجازاتها فحسب. فقد سجل تاريخ روما أيضاً هزائم كبرى أمام إيران، بما في ذلك أسر فاليريان، إمبراطور روما، على يد سابور الأول الساساني عام 260 ميلادي. وهذا أيضاً جزء من الإرث التاريخي للحضارة التي يتحدث عنها روبيو. لا يمكن حصر التاريخ في رواية أحادية الجانب عن مجد الغرب وتهديد الشرق؛ فكما تعتبر الولايات المتحدة نفسها وريثة للحضارات العظيمة، يجب عليها أن تقبل بأن إيران أيضاً لها تاريخ مستقل، ولن تحدد مكانتها فقط في إطار تحدده واشنطن لها.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر للأنباء

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى