الصين لإنهاء الحرب بين إيران وأمريكا: لغز بكين ودورها المحتمل في غرب آسيا

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تشهد منطقة غرب آسيا فترة تاريخية من الأزمات والمخاطر المتزايدة، حيث يتصاعد صراع استنزافي واسع النطاق بين الولايات المتحدة وإيران. تجاوزت أبعاد هذا الصراع الاحتكاكات التقليدية الرادعة، مستهدفة بشكل مباشر الشرايين الأساسية للأمن الدولي، والنقل العالمي للبضائع، واستقرار أسواق الطاقة في الممر الحيوي لمضيق هرمز.
وقد أدى فشل حسابات واشنطن الأولية في تحقيق سيناريو انتصار حاسم وسريع إلى وقوع الولايات المتحدة في مأزق استراتيجي مرهق. هذا الوضع، بحسب دبلوماسيين مخضرمين مثل توماس بيكرينغ وتريتا بارسي، سيفرض تكاليف سياسية واقتصادية باهظة ليس فقط على المنطقة، بل على الاقتصاد العالمي أيضاً.
في جوهر هذه الأحداث، نشهد تحولاً جذرياً في إدراك النظام الأمني. فالنموذج الأمني المستورد والدعم التقليدي لواشنطن، الذي كان يُعتبر لعدة عقود ضماناً للوضع الراهن، يواجه الآن تآكلاً شديداً في فعاليته. وفي هذه اللحظة التاريخية الحاسمة، تتجه أنظار المحللين والفاعلين الإقليميين نحو بكين، القوة الصاعدة التي ابتعدت عن هامش المراقبة المحافظة. إن دخولها التدريجي والمتوافق مع المعايير إلى معادلات غرب آسيا قد أثار تكهنات ومناقشات عميقة حول إمكانية إعادة تعريف توازن القوى الإقليمي، وإنشاء وساطة متعددة الأوجه، وتشكيل نظام مختلف عن النماذج أحادية الجانب الغربية.
الصين ومصالحها الحيوية في استقرار المنطقة
إن دخول الصين المتزايد إلى هذه الدائرة عالية المخاطر ينبع من براغماتية استراتيجية قوية وحماية صريحة للمصالح الوطنية الحيوية. بالنسبة لبكين، فإن مسألة إنهاء النزاعات في الشرق الأوسط ليست استعراضاً دبلوماسياً أو عملاً بدافع المثالية الدولية، بل هي ضمان لبقاء شريانها الصناعي واستمرار نموها الاقتصادي. الصين، بصفتها أكبر مستهلك ومستورد للنفط الخام في العالم، ترى أمن طاقتها مرهوناً بفتح ممرات النقل في الخليج الفارسي، وخاصة مضيق هرمز. أي اضطراب أو تخريب في هيكل إنتاج وتصدير الهيدروكربونات سيواجه بشكل مباشر معدل نموها، وسلسلة التوريد، والاستقرار المالي الداخلي بمخاطر جسيمة.
من ناحية أخرى، فإن مشروع “الحزام والطريق” الاقتصادي والجيوسياسي الضخم يرتبط ارتباطاً لا ينفصم بالاستقرار في الشرق الأوسط، وتصاعد الصراعات يمكن أن يؤدي إلى تعطيل استثمارات صينية بمليارات الدولارات في البنية التحتية في دول الخليج الفارسي وشمال أفريقيا. لهذا السبب، تعرّف بكين إنهاء النزاعات كضرورة لا مفر منها بالنسبة لها. على الرغم من أن بعض الأوساط الإخبارية فسرت تصريحات شي جين بينغ العامة في بريكس أو بكين بشكل خاطئ على أنها دخول صريح ودون مقدمات كوسيط مباشر بين طهران وواشنطن، إلا أن الحقيقة هي أن الميزة التنافسية للصين تنبع من قوتها المركبة.
بكين، على عكس الوسطاء التقليديين مثل مسقط ودوحة، هي شريك اقتصادي حيوي لطهران في نفس الوقت ومنافس بحجم واشنطن. هذا الوزن الجيوسياسي يضع بكين في موقع يجعل اللاعبين على جانبي النزاع، إذا لزم الأمر، يقيمون التكاليف السياسية لخرق الاتفاقيات والآليات التي تؤيدها الصين على أنها مرتفعة ورادعة للغاية.
مبادرة بكين ذات المواد الأربع وتغيير قواعد اللعبة
يتجلى التحول الأبرز في الدبلوماسية الصينية في صياغة وتطور مبادرة الرئيس الصيني ذات المواد الأربع لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. هذه الخطة تعكس تحولاً في نهج القيادة الصينية من البيانات المعيارية في أبريل إلى عرض شامل وعملي في سبتمبر في القاهرة. جوهر المادة الأولى من هذه المبادرة هو إعادة بناء أساسية للهندسة الأمنية الإقليمية من قبل اللاعبين المحليين أنفسهم، ورفض التدخل الأحادي من قبل القوى المهيمنة الأجنبية. يؤكد هذا المبدأ على أن الأمن داخلي المنشأ والانتقال نحو “الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي الإقليمي”.
تؤكد المادة الثانية من هذه الخطة على عدم قابلية تجزئة أزمات غرب آسيا. وتعلن بكين في هذا الجزء أنه بدون تحقيق حل شامل للقضايا الأساسية للتوتر، وخاصة حل مشكلة فلسطين على أساس قيام دولتين وضمان حقوق شعبها المشروعة، لن يتم تشكيل أي ترتيبات مستقرة وستستمر الأزمات في إعادة إنتاج نفسها.
في المادة الثالثة، تظهر نظرية الصين الخاصة القائمة على التنمية. وفي هذا الجزء، يُطرح الارتباط الذي لا ينفصم بين الأمن، وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وتعميق ترابط المصالح الاقتصادية، كأساس للتعايش السلمي. وأخيراً، تستند المادة الرابعة إلى إطار معياري قوي يتكون من ميثاق الأمم المتحدة، والالتزام بالقانون الدولي، والمعارضة الشديدة لقانون الغاب والأحادية. الفرق الجوهري لهذه المبادرة هو الخروج من النهج الذي يركز على المشاكل ويتسم بالمرحلية، والسعي لتغيير “قواعد اللعبة” في الشرق الأوسط بلطف وتدريجياً عبر صيغة متعددة الأطراف ومحورية للتنمية.
الوساطة: من تسهيل التوتر إلى ضمان الاتفاق
يُظهر تحليل عملية حل النزاعات وتاريخ الدبلوماسية في غرب آسيا أن المأزق الحالي لنزاع واشنطن وطهران ليس ناتجاً عن نقص الوساطة، بل هو نتيجة لعدم توازن الإرادة السياسية وانسداد آليات تخفيف التوتر. هذه نقطة تؤكد عليها الدبلوماسية الإيرانية أيضاً بالإشارة إلى عدم وجود إرادة ونوايا حسنة حقيقية لدى الإدارة الأمريكية.
لقد أثبتت التجربة أن لاعبين مثل عمان وقطر، وفي المرحلة الأخيرة جمهورية باكستان الإسلامية والأمم المتحدة، يؤدون دوراً تيسيرياً قيماً في تخفيف الاحتكاكات، ونقل الرسائل، وحل المشاكل المقطعية، مثل التفاهمات المؤقتة ووقف إطلاق النار. ومع ذلك، فإن القصور الهيكلي لهذه الفئة من الوسطاء يكمن في افتقارهم إلى أدوات الضغط الجيوسياسي وضمانات التنفيذ الملموسة لإلزام قوة عظمى. وقد ظهر هذا القصور بوضوح في قضية استئناف العلاقات بين إيران والسعودية في عام 2023، حيث مهدت المشاورات الأولية للعراق وعمان الطريق، لكن لإبرام الصفقة النهائية وضمان استقرارها، كانت هناك حاجة إلى وزن جيوسياسي وحضور بكين كـ “ضامن سياسي”.
في الأزمة المعقدة الحالية، فإن الأفكار مثل اتفاق رباعي المراحل يشمل وقف إطلاق نار إقليمي شامل، وفتح مدار لإدارة ممرات النقل، ورفع الحصار، لن تتجاوز مستوى المقترحات النظرية الأكاديمية إلا عندما تدخل قوى قادرة على فرض تكاليف متبادلة الميدان. لذلك، فإن دور لاعبين مثل إسلام آباد، على الرغم من أهميته في مراقبة التوتر والدبلوماسية المكوكية الجارية، إلا أن منظومة الوساطة بحاجة إلى الاعتماد على لاعبين ذوي وزن عالمي للوصول إلى حل مستدام يمكن أن يسيطر على قضايا ثقيلة مثل النزاعات الاستراتيجية والنووية.
خلاصة القول
في النهاية، يكشف إعادة قراءة التطورات الجارية أن نموذج توازن القوى التقليدي في الشرق الأوسط قد دخل تحولاً لا مفر منه. تسعى الصين، من خلال فهم واقعي للمخاطر الناجمة عن امتداد الحرب إلى جسد الاقتصاد العالمي، إلى إيجاد أرضية مؤسسية للانتقال من النظام المسبب للأزمات أحادي القطب إلى هيكل مشترك ومتعدد الأطراف، دون تحمل تكاليف والتزامات عسكرية مباشرة مماثلة للولايات المتحدة.
إن العقبات القائمة، بدءاً من التنافس الاستراتيجي بين بكين وواشنطن وصولاً إلى انعدام الثقة المتجذر بين دول المنطقة، ستواجه بلا شك تحقيق أي هندسة جديدة بالكامل بتحديات جسيمة. ومع ذلك، ما دام أن تكاليف استمرار العداء تتجاوز عتبة تحمل القوى العظمى والاقتصاد العالمي، فإن التقارب المفروض للمصالح بين الصين والولايات المتحدة في الحفاظ على سوق الطاقة وأمن النقل سيجعل بكين محفزاً مؤثراً في الترتيبات المستقبلية.
لذلك، لا ينبغي النظر إلى مبادرات بكين الرباعية والجهود الدبلوماسية الأخرى للاعبين على أنها مجرد مناورة سياسية عابرة، بل يجب اعتبارها بداية عملية إعادة ترتيب الهيمنة في الخليج الفارسي. نظام داخلي المنشأ ومتعدد الأطراف، حيث تعمل الدبلوماسية والترابط الاقتصادي على كبح الهيمنة الحصرية تدريجياً، وربط مصير المنطقة المستدام بالإرادة الداخلية الإقليمية والتوازن متعدد الأطراف.
