تداعيات اخفاق واشنطن أمام إيران هل يتم إقالة وزير الدفاع الأمريكي

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، أسفرت اخفاقات الجمهوريين في الانتخابات النصفية للولايات المتحدة عن ارتدادات واسعة النطاق داخل هيكل السلطة في البيت الأبيض. فلم تسفر المواجهة التي بادر إليها دونالد ترامب على افتراض تحقيق نصر سريع وبتكلفة زهيدة ضد إيران، عن المكاسب السياسية والعسكرية التي كانت ترنو إليها واشنطن فحسب، بل تحولت إلى أحد العوامل التي تقوض مكانة الجمهوريين على الصعيد الداخلي. وتزامناً مع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، ظهرت مؤشرات داخل معسكر الجمهوريين توحي بالسعي لتحديد المتسببين في هذا الإخفاق وإلقاء أعبائه السياسية على عاتق بعض المسؤولين الحكوميين.
وفي غضون ذلك، وجد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث نفسه تحت المجهر أكثر من غيره، رغم أن أبعاد هذه الموجة تُقيم على أنها تتجاوز مستقبل وزير بعينه. وتشير التطورات الراهنة في واشنطن إلى محاولة محتملة للفصل بين مسؤولية اتخاذ قرار الحرب وتداعياته الناجمة عنه؛ بحيث يستمر الرئيس في الدفاع عن أصل قراره، بينما يُحمّل المسؤولية عن عدم بلوغ الأهداف المحددة سلفاً لمن خططوا له ونفذوه.
وبعد الإخفاق الانتخابي للجمهوريين، أقر ترامب بأن النزاع مع إيران كان مؤثراً في مخرجات الانتخابات. كما تقبل تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة على الموقف السياسي للحزب، لكنه ما زال يتملص من تحمل المسؤولية السياسية لقرار يقع مباشرة ضمن صلاحيات الرئاسة.
ويعكس هذا النهج تناقضاً صارخاً في المشهد السياسي؛ إذ يقبل الرئيس من جهة التأثير السلبي للحرب على القاعدة الانتخابية للحزب، بينما يرفض تحمّل وزر العوامل المسببة لهذه التداعيات.
وفي الواقع، سعى رئيس الولايات المتحدة إلى رسم خط فاصل بين أصل اتخاذ قرار خوض الحرب وتداعياته السلبية. وهو يميل إلى إظهار صورة الزائد الحازم الذي أصدر التوجيهات الضرورية، على أن يتحمل الآخرون التكلفة المالية والسياسية لهذا القرار.
ويبدو هذا النهج جلياً في مواقف ترامب الانتخابية. فمن خلال تأكيده على أن وجود اسمه في السباق كان ليحقق أداءً أفضل للجمهوريين، يسعى إلى الفصل بين شعبيته الفردية وفشل المرشحين الحزبيين، عازياً الفشل إلى عوامل خارجية.
وقد غدا بيت هيغسيث حالياً أحد أبرز الخيارات لتكبد الثمن السياسي لهذا الفشل. وتبين تقديرات وسائل الإعلام الأمريكية أن مجموعة من الشخصيات الجمهورية والمستشارين المقربين من البيت الأبيض يتهمونه بمبالغة القدرات العسكرية للبلاد وتقديم تقارير مفرطة في التفاؤل بشأن مآل الحرب مع إيران.
واستناداً إلى التقارير المنشورة، يعتقد بعض الجمهوريين أن هيغسيث أدى دوراً محورياً في حث ترامب على تحقيق الأهداف العسكرية سريعاً. فضلاً عن ذلك، يُقال إنه كان من أشد المناصرين لاستمرار العمليات العسكرية داخل الإدارة، في الوقت الذي كان فيه وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جي دي فانس يفضلان نهج الدبلوماسية وإنهاء النزاعات.
وتكتسي هذه الرواية أهمية سياسية للجهاز التنفيذي؛ لأنها تتيح نسب الأخطاء الحسابية الأولية إلى خطأ وزير ما أو التقييمات غير الدقيقة للقادة العسكريين، دون المساس بالاستراتيجية الكبرى للرئيس.
مع ذلك، وحتى لو أدلى هيغسيث بتقييمات خاطئة أو أصر على استمرار العمليات، فإن هذا الأمر لن يعفيه ترامب من مسؤوليته النهائية. ففي الهيكل السياسي للولايات المتحدة، يُتخذ قرار بدء النزاع العسكري على أعلى المستويات أي الرئاسة، ولا يمكن لوزير الدفاع أن يحل محل المسؤولية السياسية لرئيس الجمهورية.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى احتمال عزل هيغسيث باعتباره أداة لإدارة الأزمة وتقديم كشتب فداء عن الإخفاقات الأكبر للإدارة، أكثر من كونها حلاً حقيقياً.
وتتمثل إحدى التحديات الجوهرية لإدارة ترامب في الفجوة القائمة بين الرواية الرسمية للحكومة حول نتائج الحرب وواقعها السياسي والاقتصادي. ففي نيسان/أبريل الماضي، كان هيغسيث قد تحدث عن “نصر تاريخي وحاسم” ضد إيران؛ بيد أن استمرار النزاعات في الشهور اللاحقة، وخسائر القوات الأمريكية، واستنزاف مخزونات الأسلحة باهظة الثمن، وتضخم تكاليف الطاقة، رسمت صورة مغايرة.
وفي ظل هكذا ظروف، لا يمكن ترسيخ ادعاء النصر ببساطة عبر بيان رسم، إذ يقيس الرأي العام النتائج العسكرية بعواقبها الملموسة على المعيشة والأمن. واستناداً إلى استطلاع لشبكة إيه بي سي نيوز، اعتبر 34 بالمئة من الناخبين الحرب الإيرانية عاملاً حاسماً في تصويتهم، في حين اعتبر 49 بالمئة تكاليف المعيشة و55 بالمئة الفساد الحكومي من العوامل المهمة في قرارهم الانتخابي.
وبناءً على ذلك، ورغم أن الحرب لم تكن السبب الوحيد لإخفاق الجمهوريين، إلا أنها تحولت إلى الحلقة التي تربط بين فشل السياسة الخارجية والاستياء الاقتصادي للناخبين.
ومع سيطرة الديمقراطيين على أغلبية مجلسي الكونغرس، بات يمتلك الحزب أدوات أوسع لمساءلة سياسات الحكومة تجاه إيران. وستتجاوز المسألة إقالة هيغسيث لتضع أداء البنتاغون، والتحليلات العسكرية، والتكاليف التشغيلية، وقرارات كبار القادة تحت مجهر التحقيقات.
ومن جهة أخرى، طرح النائب الجمهوري عن ولاية كنتاكي توماس ماسي ثماني تهم لمساءلة هيغسيث، وهناك احتمال لإجراء تصويت بشأنها في مجلس النواب، مما قد يشكل ورقة ضغط على وزير الدفاع أو تمهد لتنحيته.
مع ذلك، قد تتخذ تحقيقات الكونغرس أبعاداً أوسع وتفضي إلى تمحيص الأسس الحسابية لإدارة ترامب في دخول غمار هذه الحملة والأهداف الخفية من ورائها.
وما يحظى بالأصالة في تطورات واشنطن هو السعي لاحتواء تداعيات هذا الفشل. فترامب لا يرغب في أن يُعرف كرئيس أدت استراتيجيته إلى إضعاف الحزب وتأزم الاقتصاد المجتمعي؛ ولهذا فإن نقل جزء من عبء المسؤولية إلى وزير الدفاع والقادة العسكريين يمثل استراتيجية البيت الأبيض للسيطرة على الأزمة.
ورغم ذلك، تصطدم هذه السياسة بحدود ذاتية؛ فإقالة هيغسيث أو تبديل القيادات لا يمكنهما تغيير حقيقة أن الأمر النهائي بالحرب قد صدر من أعلى مستوى تنفيذي.
إذ يستطيع ترامب التضحية بوزير الدفاع، لكنه عاجز عن تفويض أوزار قرار اتخذه بنفسه إلى شخص آخر. ومن ثم، فإن مصير هيغسيث يتجاوز مستقبل فرد بعيد، ليغدو اختباراً حقيقياً لمدى تقبل ترامب للمسؤولية عن تداعيات السياسة الخارجية.
