قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

نصف قرن خطأ استراتيجي: ماذا جلبت القواعد الأمريكية على الخليج الفارسي؟

تطورت القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج الفارسي على مدى عقود، وسط وعود بتعزيز الأمن، لكن الأحداث الأخيرة كشفت عن واقع مغاير، حيث أصبحت هذه القواعد أهدافاً رئيسية، مما يدعو المنطقة إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الأمنية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج الفارسي لم ينشأ بين عشية وضحاها، بل بدأ في عام 1971 مع انسحاب بريطانيا من شرق السويس، لتتمركز القوة البحرية الأمريكية في البحرين. إلا أن نقطة التحول الرئيسية كانت الهجوم العراقي على الكويت عام 1990، والذي أعقبه توقيع الولايات المتحدة لمعاهدة دفاعية مدتها 10 سنوات مع الكويت، مما أدى إلى بناء قواعد كبيرة مثل “كامب آريفجان”. وعلى نحو تدريجي، وسعت الولايات المتحدة شبكة قواعدها لتشمل قطر (قاعدة العديد الجوية كأكبر قاعدة في المنطقة)، والإمارات (قاعدة الظفرة الجوية)، والبحرين (الأسطول الخامس)، والسعودية (قاعدة الأمير سلطان الجوية). هذه الشبكة، التي تستوعب ما بين 40 ألفاً إلى 50 ألف جندي، أنشئت تحت شعار “تأمين الأمن” لدول الخليج العربية.

تأمين أمني لم يصمد

لقد كلف “شراء الأمن” الدول المضيفة ثمناً باهظاً. وتشير التحليلات إلى أن الولايات المتحدة، بحجة تأمين هذه الدول، فرضت عليها تكاليف باهظة. ورغم ذلك، وعلى مدار عقود من تواجدها، لم تستطع الولايات المتحدة منع الهجمات على البنى التحتية الحيوية لهذه الدول. كمثال، في عام 2019، استهدفت منشآت أرامكو النفطية السعودية بأحد أعقد الهجمات بالطائرات المسيرة في التاريخ، مما أدى إلى شل نصف إنتاج النفط في المملكة لفترة. وبلغت ذروة هذا العجز خلال حرب عام 2026، حيث كشف تقرير لصحيفة واشنطن بوست، مستنداً إلى صور الأقمار الصناعية، أن الهجمات الإيرانية لحقت أضراراً أكبر من تلك التي أُعلن عنها في قواعد أمريكية بالمنطقة. هذا العجز قد زعزع مصداقية واشنطن الاستراتيجية بشكل كبير.

من درع دفاعي إلى مغناطيس للهجوم

لعل الحقيقة الأكثر أهمية ومرارة للدول المضيفة هي أن القواعد الأمريكية لم تكن رادعاً، بل تحولت إلى “مغناطيس لجذب الهجمات”. وفي تحليل لهذه الظاهرة، طرح معهد الشرق الأوسط سؤالاً محورياً: “هل تجلب هذه القواعد الأمن لمضيفيها أم تحولهم إلى أهداف للهجوم؟” الإجابة واضحة؛ خلال حرب عام 2026، استهدفت إيران بشكل مباشر قواعد أمريكية في الدول المضيفة. هذه الأحداث أظهرت أن هذه الدول دفعت ثمناً باهظاً مقابل استضافة القوات الأمريكية.

رسالة طهران الحاسمة: الأمن غير مستورد

في مواجهة هذه التطورات، كانت رسالة إيران إلى دول المنطقة واضحة وحاسمة. فقد أوصى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله السيد مجتبى خامنئي، في أول رسالة رسمية له، جيرانه صراحة: “أنصحهم بإغلاق تلك القواعد في أقرب وقت ممكن؛ لأنهم لا بد أن يكونوا قد أدركوا الآن أن ادعاء تحقيق الأمن والسلام من قبل أمريكا لم يكن سوى كذبة”. هذه الرسالة، كانت تحليلًا دقيقًا لفشل استراتيجية “الأمن المستورد”، ودعوة نحو بنية أمنية جديدة في المنطقة.

تحول الأنظار: فرص تعاون جديدة

هذا الفشل الاستراتيجي دفع حتى المحللين الغربيين إلى التفكير جدياً في الانسحاب من المنطقة. وقد طرح مارك كيميت، مساعد نائب وزير الدفاع الأمريكي السابق، مؤخراً في برنامج تلفزيوني، فكرة انسحاب القوات الأمريكية من الخليج الفارسي، مشيراً إلى تكاليف وعواقب هذا الوجود. كما أكد محللون بارزون آخرون، مثل سلطان بركات، أستاذ في جامعة حمد بن خليفة بقطر، أن “الهدف الرئيسي للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لم يكن أمن الدول العربية، بل الحفاظ على أمن إسرائيل واستمرار هيمنة واشنطن”. في الوقت نفسه، توصلت دول المنطقة إلى ضرورة اتباع مسار جديد. ووفقًا لمصادر مطلعة، تبحث السعودية وإيران حالياً خططاً لـ “معاهدة عدم اعتداء إقليمية”.

خطة جديدة: استضافة السلام، لا الحرب

في ضوء هذه التجربة الثمينة، حان الوقت لكي تعيد دول المنطقة كتابة فصل جديد. الخطوة الأولى والضرورية هي اقتراح خطة لخروج العسكريين الأمريكيين من المنطقة، والتي يمكن لقادة الخليج الفارسي تقديمها كـ “حجر زاوية لمعاهدة شاملة مع إيران”. يجب أن يصبح إغلاق هذه القواعد أحد الشروط الأساسية لطهران للاستفادة من المرحلة الجديدة لإدارة مضيق هرمز. أما الخطوة الثانية، فهي التحرك نحو تشكيل بنية أمنية محلية وناتجة عن الداخل بمشاركة جميع دول المنطقة، بنية تعتمد على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة، بدلاً من دولارات النفط التي تذهب إلى البنتاغون. لقد رأى العالم والمنطقة بوضوح أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، رغم تحملها حربًا استمرت ثماني سنوات مع العراق، وعقودًا من الحظر الخانق، وحتى اغتيال كبار قادتها، لم تسقط، بل استمرت في حياتها أكثر مقاومة من أي وقت مضى. في المقابل، كانت دول الخليج العربية هي التي تكبدت أكبر الخسائر خلال الحروب بالوكالة والهجمات الانتقامية. “الدرس الذي يجب تعلمه على مدى عقود هو أن طريق الأمن لا يمر بشرائه من مسافات بعيدة، بل يكمن في قبول الجار وبناء بيت مشترك معه. إن اقتراح “خروج العسكريين الأمريكيين” من المنطقة مقابل معاهدة أمنية شاملة مع إيران، يمكن أن يكون حجر الزاوية لهذا الفصل الجديد. يجب على قادة الخليج الفارسي أن يكفوا عن انتظار تحرك واشنطن، وأن يسعوا بفاعلية لجلب الأمن المستدام لشعوبهم.”

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر للأنباء

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى