شبكة ستارلينك تثير خلافا ماليا بين البنتاغون وسبايس إكس حول استخدامها في الحروب
![[object Object] /ستارلينك , البنتاغون , سبايس إكس , إيلون ماسك , الحرب](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/06/webangah-1f5b267de89c81ce12de6ffd40635b907bbb4f4021b1451326b35c2b93f6cf69.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، تواجه شبكة “ستارلينك“، التي يعتمد عليها الجيش الأمريكي في توجيه طائراته المسيرة الانتحارية، خلافاً مالياً حاداً مع شركة سبيس إكس، مما يفتح الباب لتساؤلات حول تحول تقنيات الفضاء التجارية إلى دعامة أساسية للاتصالات في الحروب الحديثة، وتحديد الجهة المسؤولة عن تسعير هذه الخدمات.
الحرب مع إيران؛ محطة بقيمة 5 آلاف دولار أم خدمة بـ 25 ألف دولار؟
وفقاً لرويترز، نقلاً عن خمسة مصادر مطلعة، فإن مديري سبيس إكس احتجوا أمام البنتاغون بعد أسابيع من بدء الهجمات الأمريكية على إيران، مشيرين إلى أن الجيش يدفع حوالي 5 آلاف دولار عن كل اتصال طرفية (محطة) بينما يستخدم فعلياً مستوى أعلى من الخدمات تقدر قيمته بنحو 25 ألف دولار. وقد استخدمت هذه الخدمات لتوجيه طائرات “لوكس” المسيرة (النسخة الأمريكية من “شاهد” الإيرانية) التي تحلق فوق الأهداف المتحركة والبرية.
تدعي سبيس إكس أن البنتاغون يحصل على عرض نطاق ترددي وأمن يعادل نظام “ستارشيلد” (Starshield) العسكري المخصص، وذلك باستخدام محطات ستارلينك العادية. من جانب آخر، يرى مسؤولو البنتاغون أن هذا الاستخدام “لبضع دقائق إلى ساعات” لا يبرر سعر 25 ألف دولار.
سجل أوكرانيا؛ نموذج مبكر للتعاون والتوتر
هذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها الاستخدام العسكري لستارلينك جدلاً. منذ الأشهر الأولى للحرب في أوكرانيا، لعب إيلون ماسك دوراً حيوياً في الحفاظ على اتصالات الجيش والشعب الأوكراني عبر تفعيل خدمة ستارلينك في البلاد. ومع ذلك، بدأت الخلافات تظهر تدريجياً:
- قيود جغرافية: في سبتمبر 2022، أعلنت سبيس إكس عدم قدرتها على ضمان خدمتها في المناطق التي تحتلها روسيا (بما في ذلك القرم)، وتبين لاحقاً أن مدى ستارلينك بالقرب من خطوط الجبهة كان محدوداً برمجياً. وقد حال هذا الأمر دون شن هجوم كبير بطائرات مسيرة شنته أوكرانيا على أسطول روسيا في سيفاستوبول.
- طلب التكاليف: صرح ماسك بصراحة بأن استمرار الخدمة المجانية في أوكرانيا “مكلف” لسبيس إكس، وطلب ميزانية سنوية تقدر بحوالي 400 مليون دولار من البنتاغون. وبعد المفاوضات، وقعت وزارة الدفاع الأمريكية عقداً لتوفير ستارلينك في أوكرانيا.
- التحكم في الحرب: أبرزت هذه الأحداث تساؤلاً حول ما إذا كان ينبغي لشركة خاصة أن تكون قادرة على تحديد العمليات العسكرية التي تدعمها بخدماتها.
ازدواجية التكنولوجيا التجارية في التطبيق العسكري؛ فرصة أم تهديد؟
تعد قضية ستارلينك رمزاً لتحول كبير في المجال الدفاعي: اختراق التقنيات التجارية لقلب ساحة المعركة. هذه الظاهرة لها إنجازاتها ومعضلاتها:
من بين مزايا استخدام التقنيات التجارية مثل ستارلينك، سرعة الابتكار وانخفاض التكلفة مقارنة بالأنظمة الحكومية البحتة. كما أن المرونة وقابلية التوسع العالية (بامتلاك آلاف الأقمار الصناعية في مدارات منخفضة) من نقاط قوتها الأخرى. في المقابل، توجد تحديات كبيرة، من أبرزها الاعتماد الاستراتيجي؛ مما يعني أن البنتاغون يعتمد على شركة هدفها الربح والتحكم الداخلي، وليس الأمن القومي. علاوة على ذلك، تبرز مسألة الشفافية والتسعير، حيث أن العقود العسكرية التقليدية مصممة على أساس التكاليف المثبتة، بينما تمتلك الشركات التجارية أسعاراً ديناميكية ومبنية على السوق. وأخيراً، يمثل التحكم التشغيلي تحدياً رئيسياً آخر؛ كما شوهد في أوكرانيا وإيران، يمكن لسبيس إكس الحد من الوصول أو وضع شروط لزيادة الأسعار.
المستقبل؛ “ستارشيلد” الحل أم استمرار الأزمة؟
اتفقت سبيس إكس والبنتاغون في عام 2023 على تطوير نسخة عسكرية مخصصة باسم “ستارشيلد”. يستخدم هذا النظام أقماراً صناعية منفصلة وأكثر أماناً مع قدرات تشفير متقدمة ومقاومة للتشويش. لكن مصادر مطلعة تقول إن خلافات التسعير لم تُحل حتى في عقد “ستارشيلد”، وأن البنتاغون يعتقد أن السعر المقترح من سبيس إكس لمحطة واحدة بقيمة 45 ألف دولار يمثل فرصة انتهازية.
تحليل نهائي
بصفتها شريكاً تجارياً للببنتاغون ولاعباً رئيسياً في النظام البيئي العسكري-التقني، فإن شركات مثل سبيس إكس تقف الآن في موقع غير مسبوق. إن نزاع إيران وأوكرانيا يوضح أن عصر “الحروب التي تسيطر عليها الدول” قد تغير بشكل جذري مع دخول التقنيات التجارية إلى ساحة المعركة. فمن ناحية، لا يمكن للببنتاغون التخلي عن قدرة سبيس إكس وسرعة ابتكارها وقابليتها للتوسع. ومن ناحية أخرى، لا ترغب سبيس إكس في قبول دور مقاول دفاعي تقليدي بهوامش ربح منخفضة ورقابة حكومية؛ بل تسعى لأدوات تجارية واستقلال تشغيلي.
يوضح هذا الوضع أن القطاعات التجارية تتدخل بشكل غير مباشر ولكن بعمق في الحروب العسكرية؛ ليس من خلال نشر الجنود أو إعلان موقف رسمي، ولكن عبر بيع الخدمات، وتحديد الأسعار، والأهم من ذلك، قوة اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة من ساحة المعركة. في الحرب مع إيران أيضاً، فإن تحديد سعر 25 ألف دولار لاتصال لحظي بطائرة مسيرة، يمثل شكلاً من أشكال “التسعير الحربي” الذي يجعل ربح الشركة أولوية تضاهي الأهداف التكتيكية للببنتاغون.
بمعنى آخر، نقلت شركات التكنولوجيا، دون أن تكون رسمياً جزءاً من القوات المسلحة، الجبهة الأمامية إلى غرف مجالس إدارتها، باستخدام أدوات تعاقدية واقتصادية. هذه الظاهرة تسري مفهوم “الحرب بالوكالة” من الدول إلى الشركات.
النتيجة النهائية لهذا الاتجاه هي محو الخط الفاصل بين الاقتصاد والأمن. في المستقبل، من المرجح أن ترتبط كل حرب بمئات العقود التجارية السرية، وتراخيص استخدام البرامج، والفواتير الشهرية بين البنتاغون وعمالقة التكنولوجيا.
محسن محمدي، باحث في الشؤون الدولية.
