قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

تباين تصريحات ترامب وهاكابي يكشف انقسامًا داخليًا في الموقف الأمريكي من إسرائيل

تُظهر التصريحات المتناقضة الأخيرة بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والسفير الأمريكي لدى الأراضي المحتلة، مايك هاکابی، وجود انقسام في الجبهة الأمريكية-الإسرائيلية حول طبيعة العلاقة بين البلدين، وما إذا كانت إسرائيل داعمًا أم عبئًا على الولايات المتحدة.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي لدى الأراضي المحتلة، مايك هاکابی، التي أكد فيها أن “أمريكا لم تكن لتوجد بدون إسرائيل”، قد اكتسبت صدى واسعًا في هذه الأيام، خاصة بالتزامن مع توقيع مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن. ويرى المراقبون أن هذه التصريحات ليست مجرد مبالغة دبلوماسية أو مجاملة سياسية لدعم تل أبيب؛ بل إنها تأتي في النقيض التام لتصريحات سابقة لدونالد ترامپ، التي أكد فيها بوضوح أن “إسرائيل لم تكن لتوجد بدون أمريكا وبدوني”.

إن التباين بين هاتين المقولتين يكشف عن صدع مهم داخل الجبهة الأمريكية-الإسرائيلية؛ صدع بين رؤية تعتبر النظام الصهيوني تابعًا ومكلفًا ويحتاج إلى مظلة قوة أمريكا، وتيار لا يزال يسعى لإظهار أمريكا كمدين لهذا النظام من الناحية الهوية والمذهب والاستراتيجية.

وتتزايد أهمية هذا التباعد عندما يتم تحليله في سياق التطورات الإقليمية الأخيرة، خاصة فشل تل أبيب في فرض حرب لا نهاية لها، وتحرك واشنطن نحو التفاهم مع إيران. فما يُرى اليوم في العلاقات بين واشنطن وتل أبيب ليس مجرد اختلاف لفظي بين ترامب وهاكابي؛ بل هو مؤشر على تآكل قدرة المحور الأمريكي-الإسرائيلي على توحيد الساحة ضد إيران.

لقد خلقت طهران، من خلال الحفاظ على قدرتها على الردع وتأثيرها الإقليمي وقوتها في فرض نفسها على المعادلات الأمنية في غرب آسيا، ظروفًا جعلت حتى داخل معسكر داعمي النظام الصهيوني، يطرح تساؤل أكثر جدية حول ما إذا كان ينبغي لأمريكا أن تستمر في دفع تكاليف الاستراتيجيات عالية المخاطر لتل أبيب، أم أن عليها إعادة تعريف مصالحها عبر كبح إسرائيل وقبول دور إيران؟

حرب الروايات في واشنطن؛ إسرائيل التابعة أم أمريكا المدينة؟

لا ينبغي اعتبار التناقض بين تصريحات دونالد ترامپ ومايك هاکابی مجرد اختلاف لفظي أو عدم تنسيق بسيط في الخطاب الدبلوماسي. عندما يقول ترامپ إن إسرائيل لم تكن لتوجد لو لم تكن أمريكا موجودة، فهو في الواقع يخفض مكانة تل أبيب من حليف مقدس وغير قابل للمساءلة إلى لاعب تابع لقوة أمريكا. في هذه الرؤية، فإن النظام الصهيوني ليس مصدر قوة أمريكا، بل هو مستهلك للمظلة الأمنية والمالية والعسكرية والسياسية لواشنطن؛ كيان يواجه بقاؤه أزمة بدون دعم أمريكي مستمر.

في المقابل، يسعى هاکابی بجملة معاكسة تمامًا إلى إحياء الرواية التقليدية لليمين المسيحي والصهيونية الإنجيلية؛ رواية تصور أمريكا لا كداعمة للنظام الإسرائيلي، بل كمدين تاريخيًا ودينيًا وهوياتيًا له. المعنى الاستراتيجي لهذه المقولة هو أن تل أبيب لا ينبغي أن تشعر بالحاجة إلى واشنطن، بل يجب على واشنطن أن تعتبر دعم إسرائيل جزءًا من وجودها ورسالتها التاريخية. ولهذا السبب، فإن تصريحات هاکابی، أكثر من كونها موقفًا دبلوماسيًا، هي صوت لتيار لا يريد لإسرائيل أن تتحول إلى تكلفة قابلة للحساب في معادلات أمريكا.

هاتان الروايتان المتضادتان تكشفان عن صدع كان مخفيًا في السنوات الماضية تحت غطاء الدعم غير المشروط للنظام الصهيوني. على جانب من هذا الصدع، يقف ترامپ وتيار “أمريكا أولاً”، الذين بعد تكاليف الحرب، وضغوط الرأي العام، وأزمة الطاقة، وفشل تل أبيب في فرض النظام الذي تريده، أصبحوا أكثر من أي وقت مضى يحسبون مكاسب وخسائر دعم إسرائيل. على الجانب الآخر، يقف التيار المهتم بإسرائيل ضمن الهيكل السياسي والديني في أمريكا، والذي يعتبر أي ابتعاد لواشنطن عن تل أبيب ليس قرارًا تكتيكيًا، بل خيانة لأسس هوية أمريكا.

من منظور استراتيجي، تكمن أهمية هذا الصدع في أن جبهة أمريكا-إسرائيل، بعد التطورات الإقليمية الأخيرة وصمود إيران، لم تعد قادرة على إنتاج رواية موحدة ضد طهران.

لو كانت إيران قد ضعفت في ساحة الردع وسياستها الإقليمية، لكان النظام الصهيوني قادرًا على الاستمرار في تقديم نفسه كأصل مطلق لأمريكا وقائد لا منافس له للأزمة. لكن الآن، وصل الأمر إلى حد أن النقاش يدور حتى داخل معسكر داعمي هذا النظام حول ما إذا كانت تل أبيب تمثل “رأس مال استراتيجي” لأمريكا أم “تكلفة متزايدة”.

هذا التغيير في السؤال هو مؤشر على نجاح إيران في زعزعة انسجام المحور الأمريكي-الإسرائيلي وفرض واقع قوتها على حسابات واشنطن.

التقابل بين “أمريكا أولاً” و”إسرائيل أولاً”؛ جذور أيديولوجية للانقسام

يجب البحث عن الجذر الرئيسي للتباعد الأخير في التقابل بين منطقين مختلفين في السياسة الداخلية الأمريكية، وهما منطق “أمريكا أولاً” ومنطق “إسرائيل أولاً”. ترامپ يمثل تيارًا يسعى، حتى في دعم النظام الصهيوني، إلى الصفقة، والامتيازات، وتحليل التكلفة والفائدة، واستعادة رأس المال السياسي.

في نظر العديد من الخبراء، قد يكون ترامپ، على الرغم من كونه أحد أشد الداعمين لتل أبيب ظاهريًا، إلا أن نظرته لهذا النظام ليست من باب الالتزام غير المشروط والأيديولوجي؛ بل تستمر طالما لا تتعارض مع مصالح أمريكا، أو السيطرة على الأزمات، أو أسعار الطاقة، أو الرأي العام، أو صورته الشخصية كرئيس منتصر.

في المقابل، فإن هاکابی هو صوت تيار اليمين الإنجيلي والصهيونية المسيحية في أمريكا؛ تيار يعتبر النظام الإسرائيلي ليس مجرد حليف عادي، بل جزءًا من الرسالة التاريخية والدينية لأمريكا.

بالنسبة لهذا التيار، فإن دعم إسرائيل مسألة غير قابلة للمساومة، وحتى لو شكلت تل أبيب تكاليف أمنية وسياسية واقتصادية باهظة لواشنطن، فلا يزال يتعين أن تبقى في صميم السياسة الخارجية الأمريكية. ولهذا السبب، فإن جملة هاکابی هي في الواقع محاولة لإعادة النظام الصهيوني إلى مكانته العليا؛ مكانة لا تكون فيها أمريكا صانع القرار النهائي، بل ملزمة بدعم مطالب هذا النظام وأمنه.

أصبحت هذه الازدواجية أكثر بروزًا عندما تمكنت إيران، بقوتها العسكرية العالية، والحفاظ على ردعها، وتأثيرها الإقليمي، من مواجهة خطة تل أبيب القائمة على الحرب بالجمود. حاول النظام الصهيوني إبقاء أمريكا في مسار تصعيد مستمر مع إيران، لكن ترامپ، بدلاً من الاستمرار في هذا المسار بلا حدود، تحرك نحو السيطرة على التوتر والتفاهم. هذا التحول أظهر أن تيار “أمريكا أولاً” غير مستعد لدفع تكاليف استراتيجية النظام الصهيوني بلا تهور، خاصة عندما يمكن أن يؤثر استمرار الأزمة على سوق الطاقة، وأمن القواعد الأمريكية، ووضع مضيق هرمز، ومكانة واشنطن العالمية.

من منظور استراتيجي، فإن هذا الصدع له أهمية كبيرة بالنسبة لإيران، لأنه يظهر أن طهران نجحت في رفع تكلفة الدعم غير المشروط للنظام الإسرائيلي في حسابات أمريكا. كلما حافظت إيران على قوتها الردعية، وشبكتها الإقليمية، وقدرتها على التأثير على قضايا مثل هرمز، ولبنان، والعراق، وسوق الطاقة، كلما توصل التيار التجاري في واشنطن إلى نتيجة مفادها أن المصاحبة الكاملة لتل أبيب ليست بالضرورة في صالح أمريكا. لذلك، فإن التقابل بين ترامپ وهاكابي ليس مجرد نزاع بين شخصيتين؛ بل هو مؤشر على انقسام بين أمريكا تريد كبح إسرائيل، وتيار لا يزال يريد إبقاء أمريكا في خدمة مشاريع النظام الصهيوني.

صدع تكتيكي، لا استراتيجي؛ اختلاف حول كيفية دعم تل أبيب

على الرغم من كل علامات التباعد بين ترامپ وهاكابي ونتنياهو، لا ينبغي المبالغة في التحليل واعتبار هذه الخلافات بمثابة انفصال استراتيجي بين أمريكا والنظام الصهيوني. الحقيقة هي أن دعم واشنطن لتل أبيب، في مختلف الإدارات الأمريكية، سواء الجمهورية أو الديمقراطية، كان سياسة ثابتة وهيكلية. لم تدعم أمريكا إسرائيل على المستوى العسكري والمالي والاستخباراتي فحسب، بل إنها في الساحة الدبلوماسية، ومن خلال الفيتو والضغط السياسي والدعم الإعلامي، منعت مرارًا وتكرارًا الإدانة الفعالة لجرائم هذا النظام. لذلك، فإن الخلاف اليوم ليس حول أصل الدعم، بل حول زمانه، وطريقته، وتكاليفه، ونطاق مغامرات تل أبيب.

من هذا المنطلق، يجب اعتبار الصدع بين ترامپ ونتنياهو تكتيكيًا. ترامپ لا يريد التخلي عن إسرائيل، لكنه لا يقبل أن تدفع تل أبيب المنطقة إلى حافة حرب شاملة مع إيران دون مراعاة لتكاليف أمريكا. فهو من جهة يواصل تقديم نفسه كداعم لأمن النظام الصهيوني، ومن جهة أخرى، عندما يمكن أن يهدد استمرار الحرب مع إيران قواعد أمريكا، وسوق الطاقة، ومضيق هرمز، والرأي العام الداخلي، والمكانة الدولية لواشنطن، فإنه يحاول السيطرة على سرعة ونطاق تحركات تل أبيب. هذا يعني أن أمريكا لم تبتعد عن إسرائيل، بل تريد سحب قيادة الحرب من يد نتنياهو.

في هذا الإطار، فإن تصريحات هاکابی هي أيضًا محاولة لترميم نفس الرابط الأيديولوجي والنفسي بين واشنطن وتل أبيب. إنه يعلم أن خطاب ترامپ حول اعتماد إسرائيل على أمريكا يمكن أن يضعف مكانة تل أبيب العليا في أذهان جزء من المجتمع السياسي الأمريكي. ولهذا السبب، ومن خلال عكس هذه المقولة، يسعى إلى تقديم النظام الصهيوني مرة أخرى ليس كحليف مكلف، بل كجزء من هوية أمريكا ومهمتها التاريخية. هذا الرد يظهر أن التيار الصهيوني في أمريكا متأكد من أصل الدعم الواشنطوني، ولكنه قلق من تغير النبرة والحسابات في البيت الأبيض.

تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الصدع بالنسبة لإيران بالضبط في هذه النقطة. لقد نجحت طهران في رفع تكاليف الميدان إلى درجة أن أمريكا، على الرغم من دعمها الدائم للنظام الصهيوني، اضطرت إلى التفريق بين دعم تل أبيب والحفاظ على مصالحها الكبرى. هذا لا يعني تغيير طبيعة أمريكا؛ فالولايات المتحدة لا تزال الحامي الرئيسي لجرائم إسرائيل، لكن فشل المحور الأمريكي-الإسرائيلي يكمن في أنه لم يعد قادرًا على شن حرب غير محدودة ضد إيران ومحور المقاومة دون تكلفة ودون خلاف داخلي. لقد كشفت إيران، بقوتها الردعية، عن هذا الصدع من المستوى الخفي إلى المستوى العلني، وأظهرت أن التحالفات الهيكلية للعدو، عندما تواجه قوة حقيقية، تضطر إلى إعادة ضبط تكتيكاتها.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى