استثمارات ترامب في معادن آسيا الوسطى تثير قلق دول المنطقة
![[object Object] /آسيا الوسطى , الولايات المتحدة , معادن نادرة , ترامب , استثمار](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/07/webangah-04415cc8f4a02944ac28cbba093765a6a4a1b86eb0d4e26eff331cf2bc323d16.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن اهتمام الولايات المتحدة المتزايد باستغلال الموارد المعدنية النادرة في آسيا الوسطى، وخاصة في ظل سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب، قد أثار ردود فعل ومخاوف في دول المنطقة، حيث يتم حاليًا مناقشة تداعيات هذا التطور في الأوساط المتخصصة.
تطاول أمريكي على كازاخستان وأوزبكستان
من بين دول آسيا الوسطى التي تبدي الولايات المتحدة اهتمامًا باستغلال مواردها المعدنية على نطاق واسع، تأتي كازاخستان. في نوفمبر 2025، أعلن ممثلو شركة “سكاي لاين بيلدرز”، التي سبق أن استحوذت شركات ومجموعات تابعة لدونالد ترامب الابن وإريك ترامب على جزء من أسهمها، عن إبرام اتفاقية مع شركة النفط الوطنية الكازاخستانية.
هذا الخبر انتشر على نطاق واسع في وسائل الإعلام الاقتصادية العالمية في بداية الربيع. في الوهلة الأولى، بدا هذا التطور مجرد خبر اقتصادي عادي. لكن صحيفة “التايمز المالية” نقلت عن مصادرها أن مجموعات مرتبطة بدونالد ترامب الابن وإريك ترامب قد توصلت إلى اتفاق للاندماج مع إحدى أهم الشركات القابضة المتخصصة في مجال المعادن. هذه الشركة القابضة تلقت حوالي 1.6 مليار دولار في صورة دعم مالي من الولايات المتحدة لتطوير أحد أكبر الاحتياطيات غير المستغلة من التنغستن في العالم في كازاخستان.
بدأت عائلة ترامب بشراء جزء من أسهم مجموعة “سكاي لاين بيلدرز” الإنشائية، ثم زادت حصتها، لتصبح في النهاية تمتلك 20% من شركة “كاز ريسورسز” الكازاخستانية، وهي شركة تسيطر على مجمع “كوف كاز” للتعدين. وقد أعلن ممثلو هذه الشركة في نوفمبر 2025 عن اتفاق مع شركة النفط الوطنية الكازاخستانية، وفي 30 أبريل 2026، اتفق الطرفان على الاندماج وعرض أسهم الشركة الجديدة في بورصة ناسداك الأمريكية.
في فبراير 2026، وقعت الولايات المتحدة وأوزبكستان اتفاقية للتعاون في مجال المعادن الحيوية. كما أعلنت شركة “تراكيسس” الأمريكية عن استثمار بقيمة مليار دولار في قطاع استخراج ومعالجة المعادن في أوزبكستان. من ناحية أخرى، بدأ الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة مشروعًا مشتركًا لاستخراج المعادن الخضراء في المنطقة. يهدف هذا التعاون إلى استخراج وإدارة موارد مثل النحاس والليثيوم والعناصر النادرة، والتي تعتبر ضرورية للتقدم في تقنيات التحول إلى الطاقة النظيفة وغير الأحفورية. وقد بدأت كازاخستان أيضًا في معالجة الغاليوم والانتيمون، وتوصلت إلى اتفاق مع أوزبكستان للتعاون في مجال استخراج وتصدير بعض العناصر الأرضية النادرة.
تطورات تتجاوز المعاملات الاقتصادية
تبدو هذه الأخبار ظاهريًا متعلقة بمعاملات تجارية بين عدد قليل من شركات التعدين والاستثمار، لكن على المستوى الكلي، فإنها تشير إلى تغيير مهم في الاستراتيجية الجيو-اقتصادية للغرب، وخاصة الولايات المتحدة، في آسيا الوسطى. إذا كانت المنافسة بين القوى الكبرى في العقود الماضية تتركز على السيطرة على موارد النفط والغاز في منطقة آسيا الوسطى، فإن المعادن الحيوية والنادرة قد أصبحت الآن المحور الجديد للمنافسة الجيوسياسية مع تسارع التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي، والصناعات الدفاعية المتقدمة، والطاقات النظيفة.
ما يزيد من أهمية هذه الصفقة هو تزامنها مع تصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين. على مدى السنوات القليلة الماضية، لم تكن الصين أكبر منتج للعناصر الأرضية النادرة فحسب، بل كانت أيضًا اللاعب الرئيسي في معالجة العديد من المعادن الاستراتيجية، بما في ذلك التنغستن والعناصر الأرضية النادرة والانتيمون والليثيوم والموليبدينوم والغاليوم والجرمانيوم. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة، بعد فرض الصين قيودًا تصديرية على بعض هذه المواد، إلى إنشاء سلاسل توريد بديلة خارج الصين. في ظل هذه الظروف، أصبحت آسيا الوسطى، بفضل امتلاكها احتياطيات معدنية ضخمة، واحدة من أهم المناطق المستهدفة للسياسة الصناعية والأمن الاقتصادي الأمريكي.
يجب تحليل دخول الشركات المرتبطة بعائلة ترامب في مشاريع تعدين في كازاخستان في هذا السياق. إن وجود هذه الشركات ليس مجرد استثمار خاص، بل يعتبره العديد من المحللين جزءًا من عملية أوسع لربط رأس المال الخاص الأمريكي بالأهداف الجيو-اقتصادية للبلاد. خاصة وأن المشروع المعني يحظى بدعم مالي من الحكومة الأمريكية، ومن المقرر أن يجمع المزيد من الموارد المالية من خلال عرض أسهمه في بورصة ناسداك. هذا النموذج سيسهل دخول رؤوس الأموال الضخمة الغربية إلى قطاع التعدين في آسيا الوسطى.
من ناحية أخرى، يمكن لهذا التطور أن يغير موازين المنافسة بين القوى الكبرى في آسيا الوسطى. حافظت روسيا على نفوذها التقليدي في مجال الطاقة والبنية التحتية في المنطقة على مدى العقود الماضية، وأصبحت الصين، من خلال مبادرة “الحزام والطريق”، أكبر مستثمر أجنبي في العديد من مشاريع البنية التحتية والتعدين. الآن، تسعى الولايات المتحدة أيضًا إلى تعزيز مكانتها في المنطقة من خلال الاستثمار في المعادن الاستراتيجية والحد من النفوذ الصيني.
من منظور الأمن الاقتصادي، فإن أهمية هذه التطورات تتجاوز بكثير مجال التعدين. اليوم، تعتبر المعادن مثل التنغستن والعناصر الأرضية النادرة والغاليوم والجرمانيوم والانتيمون مواد خام أساسية للعديد من التقنيات الحساسة، بما في ذلك أنظمة الصواريخ، ومحركات الطائرات، والمعدات الإلكترونية، وأشباه الموصلات، والسيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، وصناعات الذكاء الاصطناعي. ولهذا السبب، أصبح التحكم في سلسلة توريد هذه المواد أحد مكونات الأمن القومي للقوى الكبرى.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار الصفقات المتعلقة بعائلة ترامب مؤشرًا على بداية مرحلة جديدة من المنافسة الجيو-اقتصادية والاستراتيجية للسيطرة على المعادن الحيوية في آسيا الوسطى. وهي منافسة من المرجح أن تتسع أبعادها الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية وحتى السياسية في السنوات القادمة، مما سيعزز مكانة هذه المنطقة في المعادلات العالمية أكثر من أي وقت مضى.
حلول لدول آسيا الوسطى للتخلص من بيع المواد الخام
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت آسيا الوسطى هدفًا رئيسيًا للاستثمار من قبل الدول الغربية، وبعد عقدين من الجهود الجادة، تمكن المستثمرون الأمريكيون والأوروبيون من ترسيخ مكانتهم في قطاع استخراج المعادن في كازاخستان وأوزبكستان، وكذلك في صناعة استخراج الذهب في قيرغيزستان.
يعتقد المحللون أن المنافسة العالمية للوصول إلى الموارد المعدنية الحيوية تشتد يومًا بعد يوم. ومع ذلك، يتركز اهتمام المستثمرين الأجانب بشكل أساسي على استخراج هذه الموارد، بينما تتقدم مشاريع المعالجة العميقة وتحويل المواد الخام إلى منتجات ذات قيمة مضافة وأسعار أعلى داخل دول منطقة آسيا الوسطى بوتيرة أبطأ بكثير. وفي حالة عدم إنشاء واستكمال صناعات المعالجة المحلية، سيتم تصدير جزء كبير من المواد الخام دون خلق قيمة مضافة داخل دول آسيا الوسطى.
يحذر الخبراء المحليون في آسيا الوسطى من أن الخطر الرئيسي يتمثل في انتقال السيطرة على المناجم المحلية إلى الشركات الأجنبية، وفي الوقت نفسه عدم تطوير صناعات المعالجة داخل البلدان. في هذه الحالة، ستظل المنطقة تحتفظ بإطار اقتصادي يعتمد على تصدير المواد الخام. إن اهتمام المستثمرين باستخراج المعادن لا يعني بالضرورة رغبتهم في إنشاء سلاسل صناعية محلية، ونتيجة لذلك، فإن الجزء الأكبر من الأرباح الناتجة عن هذه الأنشطة سيتشكل خارج المنطقة ولمصلحة الولايات المتحدة فقط.
بالطبع، هناك مؤشرات على تغير هذا النمط، وفي السنوات الأخيرة، حاولت كازاخستان وأوزبكستان تغيير سياساتهما المعدنية. وضعت كازاخستان خططًا لتطوير صناعات المعالجة، وإنتاج المعادن عالية النقاء، والمشاركة في سلسلة الإنتاج العالمية لأشباه الموصلات. كما اشترطت أوزبكستان الاستثمار الأجنبي بإنشاء وحدات لمعالجة المعادن والصناعات التحويلية لمنع بيع المواد الخام.
يؤكد بعض الخبراء على ضرورة مراجعة قانون المناجم وتوسيع أنشطة الاستكشاف الجيولوجي في دول آسيا الوسطى. بدون وجود خبرات محلية وأدوات قانونية مناسبة، قد تؤدي المفاوضات مع اللاعبين الدوليين الكبار إلى توزيع غير متكافئ للقوة التفاوضية، وقد تواصل الولايات المتحدة تنفيذ مشروع نهبها من جانب واحد.
يقول الخبراء المحليون إنه لا أحد يريد عزل منطقة أوراسيا، ولكن يجب أن يتم تطوير التعاون الدولي مع مراعاة المصالح الاقتصادية طويلة الأجل لدول المنطقة. في غضون ذلك، فإن المبدأ الأهم هو امتلاك العقلانية والاهتمام بمصالح جميع شعوب المنطقة وليس فقط فئات معينة.
في النهاية، فإن القضية الأكثر أهمية لدول آسيا الوسطى ليست مجرد استخراج الموارد المعدنية، بل هي كيفية إدارة هذه الاستثمارات. إذا تمكنت حكومات المنطقة، مع الحفاظ على السيطرة على المناجم، من ربط رأس المال الأجنبي بنقل التكنولوجيا، وتطوير صناعات المعالجة، وتدريب القوى العاملة، وإنشاء سلسلة قيمة محلية، يمكن للموارد المعدنية أن تصبح محركًا للتنمية الصناعية. ولكن إذا اقتصرت الاستثمارات على استخراج وتصدير المواد الخام، فإن خطر استمرار نموذج الاقتصاد المعتمد على المواد الخام والاعتماد على جهات فاعلة خارجية سيظل قائمًا.
اليوم، لا يتمثل السؤال الرئيسي لدول آسيا الوسطى فقط في استخراج الموارد المعدنية، بل فيما إذا كانت حكومات المنطقة ستتمكن من الحفاظ على السيطرة الحقيقية على أصولها الاستراتيجية، وتطوير صناعات المعالجة، والحفاظ على القيمة المضافة داخل منطقتها أم لا.
في النهاية، لا تتعلق القضية فقط بالتفضيلات الجيوسياسية، بل تتعلق بالمصالح الاقتصادية الأساسية لدول المنطقة، وهي المصالح التي يجب أن تكون الأساس لوضع أي سياسة خارجية واقتصادية متعددة الأطراف ومتوازنة في آسيا الوسطى.
