كلمة الرئيس الإيراني في الأمم المتحدة: عرض لصمود أمة

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن أهمية خطاب الرئيس الإيراني مسعود بيشكيان أمام الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة لا تكمن في الكلمات الدبلوماسية والجمل المدروسة بقدر ما تكمن في قدرة المتحدث على معرفة ما يجب قوله، ولمن، وفي أي وقت. لم يكن الخطاب مجرد تكرار للمواقف الرسمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل كان يهدف إلى تحدي الرواية التي بنتها الولايات المتحدة حول إيران في الأيام الأخيرة.
بيشكيان في الأمم المتحدة: القنبلة الذرية في النظام الصهيوني والمفتشون في إيران
بيشكيان رفع صورة الإمام الشهيد وأطفال ميناب في الأمم المتحدة
في اليوم السابق، خاطب الرئيس الأمريكي إيران من منبر الأمم المتحدة بلغة الاتهام والتهديد. إلا أن رد بيشكيان لم يكن مجرد بيان دبلوماسي جاف. فقد أوضح منذ البداية نقطة الخلاف الرئيسية في الرواية قائلاً: “نحن لسنا إرهابيين؛ نحن ضحايا الإرهاب”.
رفع صور الشهداء في الأمم المتحدة
ربما كان أحد أبرز مفاصل الخطاب في بدايته؛ عندما قرر الرئيس، قبل قراءة النص المعد، الرد على ترامب. وبدلاً من الاكتفاء بالحديث عن الشهداء المظلومين في إيران، حمل صورهم معه إلى منبر الأمم المتحدة. صورة الزعيم الشهيد وأطفال ضحايا الهجمات الأمريكية-الصهيونية في ميناب ولامرد ومناطق أخرى من البلاد، كانت أبعد من مجرد وثيقة أو إحصائية.
تحدث الرئيس عن المدارس، الصالات الرياضية، المستشفيات، الجامعات، الجسور، والبنى التحتية؛ تحدث عن أطفال قُتلوا بلا ذنب. هنا لم يعد النقاش يدور فقط حول خلاف إيران وأمريكا أو إيران والنظام الصهيوني؛ لقد حاول “ممثل الشعب الإيراني” تحويل القضية إلى سؤال أبسط وإنساني أكثر: إذا كان المدنيون والأطفال يتعرضون للهجوم، فما هي مسؤولية المجتمع الدولي؟
لن ننحني
نقطة القوة الأخرى في الخطاب كانت أن الرئيس في روايته لم يخلط بين المظلومية والضعف. ربما كانت هذه هي الرسالة السياسية الأهم لخطابه. تحدث بيشكيان عن الهجوم على بلاده ومعاناة الشعب، لكنه تحدث فوراً عن صمود إيران: هاجمت أمريكا والنظام الصهيوني بمعدات وتكنولوجيا عسكرية متطورة، لكن إيران “لم تنحنِ”. وفي الوقت نفسه، أكد أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تستهدف المدنيين في الرد المتبادل، وأن إجراءاتها كانت في إطار الدفاع عن البلاد.
كانت هذه هي النقطة التي تجاوز فيها خطاب الرئيس مجرد الدفاع، ليصل إلى رسالة واضحة حول الردع: إيران لا تريد القوة للاعتداء؛ بل تريدها كي لا يتمكن أحد من استهداف أمنها ووجودها. كانت جملة بيشكيان في هذا الجزء صريحة: “نحن لا نطلب الإذن من أحد للدفاع عن بلدنا”.
وقد وُضعت هذه الرسالة جنباً إلى جنب مع رسالة أخرى بنفس الأهمية: إيران لا ترى الحرب حلاً لجميع المشاكل.
لم يقدم صورة لإيران المستسلمة، ولا صورة لإيران الهاربة من الحوار. كانت رسالته أنه يمكن أن تكون قوياً وتتفاوض في نفس الوقت؛ يمكن أن تكون مستعداً للسلام، ولكن لا تقبل لغة القوة.
تذكير لمنظمة كان من المفترض أن تكون المدافعة عن حقوق الدول
جزء آخر من الخطاب وجه مباشرة إلى الأمم المتحدة. سأل بيشكيان الحضور: إذا كان القانون الدولي سيُطبق فقط عندما يتوافق مع مصالح الأقوياء، فماذا ستكون النتيجة؟ إذا كانت دولة ما معفاة من المساءلة بسبب قوتها العسكرية، ودولة أخرى تخضع لعقوبات بسبب نفس النزاع، فكيف يمكن إعادة بناء الثقة بالنظام الدولي؟
ربما كان هذا أحد أخطر أجزاء الخطاب؛ لأن الرئيس الإيراني لم يدافع عن بلاده فحسب، بل تحدى معايير النظام الدولي نفسها: إذا كان هناك عدل، فيجب أن يكون للجميع؛ إذا كان هناك قانون دولي، فلا يجب أن يخضع للقوة؛ وإذا كانت الأمم المتحدة بيت الأمم، فلا يجب أن يضيع صوت الأمم الأضعف في ضجيج القوى.
مظلومون لكن أقوياء
وفي النهاية، اختتم بيشكيان الخطاب برسالة يمكن تلخيص الخطاب بأكمله بها: إيران تمد يد التعاون نحو العالم، ولكن ليس من موقع ضعف. وقال إن إيران مستعدة للحوار، لكنها لا تقبل لغة القوة.
ربما تكمن قيمة هذا الخطاب بالضبط في هذا الجمع بين صورتين: إيران الثكلى وإيران الصامدة؛ إيران الضحية وإيران المدافعة؛ إيران المستعدة للحوار وإيران التي لا تقبل الاستسلام.
حاول بيشكيان اليوم من منبر الأمم المتحدة تقديم صورة لإيران لا تتناسب مع إطار دعاية القوى العظمى، ولا ترغب في وضع نفسها في موقف سلبي. عرض صور الأطفال الشهداء للعالم، وتحدث عن الزعيم الشهيد، وعن الهجوم على البنى التحتية للبلاد، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن إيران لا تخشى الحرب، ولا تطلب الإذن من أحد للدفاع عن نفسها.
في عالم غالباً ما يُسمع فيه صوت الأقوياء أعلى من صوت الضحايا، ربما يكون أحد الأدوار المهمة لمثل هذا المنبر هو إخراج الضحية من صورة الإحصائية الصامتة، وتحويله إلى إنسان، ثم سؤال العالم الذي يدعي العدل: “من يجب أن يرى هذا الإنسان؟”
