إرث السيد حسن نصر الله: لماذا يدين لبنان للمقاومة؟

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التاريخ المعاصر للأراضي اللبنانية شهد دائمًا تقاطعًا للصراعات الجيوسياسية الجذرية، والجراح الناجمة عن الاستعمار، وهشاشة السيادة الوطنية المفرطة. بلد يتميز بتنوع فريد من الطوائف والأديان، وفي غياب وفاق داخلي متماسك، أصبح فريسة للأجانب مرارًا وتكرارًا. وأدت الحرب الأهلية الاستنزافية عام 1975 إلى تعميق الانقسامات الهيكلية إلى أقصى مستوى ممكن. في مثل هذا السياق غير المستقر، كشف الغزو العسكري الشامل للنظام الصهيوني عام 1982 واحتلال أجزاء واسعة من أراضي البلاد، بما في ذلك بيروت، عن عدم فعالية الهياكل الحكومية التقليدية في حماية الحدود، وأثبت عمليًا أن التدابير السلبية، دون الاعتماد على قوة ردع ملموسة، غير قادرة على الحفاظ على كيان هذه الأراضي.
في ذروة هذا الذل واليأس التاريخي، تشكلت النواة الأولى للمقاومة الشعبية. ظاهرة لم تكن مجرد رد فعل مؤقت للاحتلال المباشر، بل بداية حركة أساسية لإعادة تعريف الاستقلال والدفاع عن كرامة المواطن اللبناني المداس. مع صعود السيد حسن نصر الله إلى منصب الأمين العام عام 1992، بعد اغتيال السيد عباس الموسوي، دخل هذا التيار عصرًا جديدًا. تولى قيادة هذه النهضة في وقت كانت فيه غرب آسيا تشتعل في حرارة المعادلات المفروضة، لكن ببراعة وبعد نظر لا مثيل لهما، تمكن من كسر توازن السلبية وتحويل مصير لبنان من أرض ضعيفة إلى مركز للاستقرار والمقاومة والردع النشط.
شخصية انبثقت من الشعب وعقلانية استراتيجية
يكشف النظر المتعمق إلى أبعاد شخصية الشهيد السيد حسن نصر الله أن نفوذ كلماته وكاريزميته الفريدة نابعان من تقاطع المواهب الفردية، ومنشئه الشعبي الأصيل، وإدراكه الاستراتيجي الدقيق. نشأته وتطوره في حي الكرنتينا العمالي والفقير في بيروت، إلى جانب التنوع البيولوجي مع أهل السنة والمسيحيين والأكراد، زرع فيه روحًا منفتحة ومسالمة ومطالب الجماهير المحرومة؛ وهي مكونة تطورت، تحت تأثير عميق من رؤية الإمام موسى الصدر وبالصحبة مع السيد عباس الموسوي، إلى مزيج من التدين الأصيل والمسؤولية الاجتماعية.
كان لدى نصر الله شهية هائلة للدراسة والتعلم المستمر؛ لم تقتصر خريطة دراساته على الفقه والأصول فحسب، بل شملت تاريخ الأمم، وعلم نفس اتخاذ القرار لدى القادة، والتحليل الاجتماعي، وخاصة الرصد الدقيق للصحافة والوثائق العسكرية وإنتاجات مراكز الفكر التابعة للعدو، لفك رموز أفكار الخصم ونقاط ضعفه من داخل هيكله. هذه الرؤية العميقة، بالاقتران مع فصاحة لا مثيل لها وصدق جدير بالثناء، منحته قدرة مميزة على قيادة الحرب النفسية وإدارة الأزمات؛ لدرجة أن مزيجًا من الحزم، والغموض الاستراتيجي، والالتزام بالوعود، جعلت خطاباته مركز اهتمام وسائل الإعلام وغرف الفكر الدولية. كان مثالًا للارتباط بين المثالية الدينية والواقعية المحسوبة، وعلى عكس بعض القادة المتحمسين، كان يخطو خطواته على أساس العقلانية والحساب الميداني والصبر التكتيكي.
المقاومة: من إعادة بناء الكرامة الوطنية إلى تغيير المعادلات الإقليمية
في الساحة الاجتماعية والحياة الجماعية في لبنان، خلق وجود المقاومة مفهومًا أبعد من الأدوات العسكرية البحتة، ولعب دورًا أساسيًا في الهوية والتماسك المدني للمجتمع. لبنان، الذي كان يعاني دائمًا من فقدان الانتماء الوطني المشترك بسبب الانقسامات الطائفية والمنافسات التقليدية، تمكن من خلال إنجازات المقاومة من تجربة إعادة تعريف للفخر والتضامن الجماعي. بناءً على النظريات الاجتماعية، يتمتع القادة العظماء بالقدرة على خلق شعور مشترك بـ “نحن” بدلاً من الأنانية الفردية والطائفية؛ وهو أمر تجسد في التحرير التاريخي لأراضي جنوب لبنان عام 2000 والصمود الملحمي في حرب الـ 33 يومًا في يوليو 2006. لعقود من الزمن، ضعفت الروح المعنوية للمجتمع تحت وطأة إذلال الاحتلال، لكن انتصارات المقاومة المتتالية ضخت العزة والثقة بالنفس الوطنية في عروق هذا البلد، بغض النظر عن أي انتماء طائفي.
أظهر نصر الله، من خلال التكريم المستمر للشعب وإطلاق عبارة “أشرف الناس” على المجتمع، أن قضية المقاومة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقيم الإنسانية والقضاء على الحرمان. في الوقت نفسه، أدى التوسع المنظم للمؤسسات الخدمية والتعليمية والصحية، والتأكيد الدائم على مبدأ أن الحدود القائمة متجذرة في العلاقات السياسية ولا ينبغي أن تؤدي إلى الفرقة الدينية، إلى تحويل القاعدة الشعبية للمقاومة إلى ثقل مثبت وضامن للتضامن في جغرافية لبنان المتنوعة.
على الصعيد العابر للحدود والإقليمي، أعادت المقاومة اللبنانية تحت هذه القيادة الذكية كتابة نماذج توازن القوى التقليدية في غرب آسيا، وحطمت وهم حصانة الجيش المحتل في نظر الرأي العام العالمي. قبل المشاركة الفعالة لحزب الله في ساحة الصراع، اقتصرت مواجهة العالم العربي مع الاحتلال غالبًا على إطار الإحباطات العسكرية أو معاهدات التسوية. لكن المقاومة، بفرضها أول انسحاب غير مشروط على جيش النظام الصهيوني عام 2000، وضعت خطًا فاصلًا على المعادلات السابقة، وأظهرت أن صمود الشعب يمكن أن يجبر أكبر الآلات الحربية على التراجع.
تجسد هذا النهج بشكل خاص في الدعم الشامل والشجاع والمستمر للقضية الفلسطينية؛ لدرجة أن نصر الله تجاوز الحدود الطائفية، ووضع إمكانياته اللوجستية والسياسية والإعلامية لمساعدة إخوانه السنة في غزة وغيرها من الفصائل المقاتلة، وأثبت فكرة الوحدة العالمية الإسلامية في الميدان. علاوة على ذلك، فإن الدخول الحاسم في معارك مصيرية إقليمية، مثل دفع مخاطر الإرهاب التكفيري المميتة في سوريا وتثبيت حقوق لبنان وحدوده البحرية بقوة عام 2022، حول المقاومة إلى لاعب قوي ومتوازن؛ جبهة صلبة واجهت الاعتداءات الأجنبية المتكررة بتكاليف باهظة وتحدت الحسابات الاستعمارية.
خلاصة القول
بالنظر إلى هذه الحقائق التاريخية التي لا يمكن إنكارها، يمكن فهم بوضوح لماذا تكون السيادة الوطنية والهوية الفخورة وبقاء الأراضي اللبنانية مدينة بامتنان حقيقي لتيار المقاومة وجهود السيد حسن نصر الله الخالصة. لقد تحولت الأرض، التي كانت ذات يوم تعتبر أضعف نقطة في مواجهة المطامع التوسعية والاعتداءات الخارجية، بفضل الدماء الطاهرة للشهداء، وتضحيات المقاتلين، والقيادة الحكيمة للمقاومة، إلى حصن صلب استعاد سلامة أراضيه وتمكن من فرض معادلات ردع مستقرة على المعتدين.
لو لم يكن هناك الصمود التنظيمي، والرؤية الاستراتيجية الثاقبة، والتضحيات التي قدمها هذا التيار في مواجهة آلة الدمار الصهيونية ومؤامرات التيارات التكفيرية الانفصالية، لربما لم يكن هناك أثر للسيادة المستقلة والسلامة الجغرافية للبنان اليوم. لم تستعد المقاومة أجزاء واسعة من الأراضي الجنوبية المحتلة إلى أحضان الوطن فحسب، بل ذكّرت اللبنانيين بأن الأمن المستدام والكرامة الاجتماعية ليسا امتيازًا يُمنح من الأجانب، بل هما ثمرة الصمود على المبادئ. ومن هنا، فإن إرث هذا الطريق الخالد سيبقى للأجيال الحالية والمستقبلية رمزًا خالدًا للدفاع الشريف عن التراب والهوية الوطنية.
