حرب جديدة ضد إيران تعني شلل الاقتصاد العالمي

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة والنظام الصهيوني ضد إيران، تتجاوز كونها مجرد مواجهة إقليمية، بل تشكل زلزالاً مدمراً لاقتصاد العالم، وتتحدى كافة سلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، والأمن الغذائي حول العالم.
يكمن قلب هذه الأزمة في مضيق هرمز، هذا الممر المائي الحيوي الذي يمر عبره خُمس نفط وغاز العالم، ويتحكم في نبض تجارة الطاقة. ومع إغلاق هذا المضيق الاستراتيجي، توقف مرور ناقلات النفط وسفن الغاز الطبيعي المسال، وارتفعت أسعار الطاقة في الأسواق العالمية بشكل جنوني.
لم يقتصر هذا الصدمة الهائلة على ارتفاع أسعار البنزين والوقود فحسب، بل بسبب التشابك الاقتصادي العالمي، ارتفعت تكاليف إنتاج الأسمدة الكيماوية، والصناعات المعدنية، والخدمات اللوجستية البحرية، ونقل البضائع بشكل كبير، مما أدى إلى موجة تضخم مشلولة ضربت أسواق المستهلكين، ليثبت الاقتصاد العالمي الحديث مدى هشاشته أمام أمن هذا الممر المائي الضيق.
الخاسرون والرابحون الاقتصاديون من حرب إيران
هددت هذه الأزمة العميقة اقتصادات الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر، وقلبت الموازين لصالح عواصم المنطقة. وتشير تقارير المؤسسات المالية الدولية إلى أن اقتصادات المنطقة تواجه انكماشاً غير مسبوق.
حتى الاقتصادات الكبرى والناشئة مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية، التي قامت باستثمارات ضخمة للابتعاد عن الاعتماد على النفط، لم تتمكن من حماية نفسها من صواريخ هذا التسونامي. أدى اعتماد القطاعات غير النفطية في هذه الدول على الاستقرار الإقليمي، والتجارة الحرة، والتدفق السلس للطاقة، إلى تغيير مسار نموها الاقتصادي نحو الانكماش مع إغلاق مضيق هرمز واضطراب صناعة السياحة والخدمات المالية.
في غضون ذلك، وبينما تكبدت دول مثل قطر والكويت أشد الضربات، تمكنت عمان، بفضل موقعها الجغرافي، من تسجيل نمو إيجابي. من ناحية أخرى، وجدت إيران فرصة من خلال الاعتماد على بنيتها التحتية لتطوير صناعات التكرير والبتروكيماويات، والنظر بعين جديدة إلى تعزيز سلسلة القيمة والهروب من بيع المواد الخام.
زلزال في الأسواق العالمية
امتدت تداعيات هذه المواجهة إلى مناطق ما وراء الإقليم، وزعزعت اقتصادات آسيا والغرب الكبرى بشدة. واجهت الصين، كمصنع كبير للعالم، والهند، كواحدة من أكبر مستهلكي الطاقة في المنطقة، ارتفاعاً هائلاً في تكاليف الإنتاج، وعجزاً تجارياً، وانخفاضاً في قيمة العملة المحلية، وشهدت أسواق الأسهم في سيول وطوكيو انخفاضات غير مسبوقة.
في أوروبا، أصبح النمو الاقتصادي مشلولاً تحت وطأة التضخم الهائل للطاقة وارتفاع أسعار الكهرباء والوقود. وحتى داخل الولايات المتحدة، أدت التكاليف الباهظة لهذه الحرب، بما في ذلك الارتفاع الحاد في أسعار البنزين والسلع الاستهلاكية مثل الفواكه المستوردة، إلى احتجاجات المواطنين.
فرضت هذه الحرب أيضاً عبئاً مالياً متوسطاً يعادل ألفي دولار على كل أسرة أمريكية، وزادت الانقسامات السياسية إلى ذروتها عشية الانتخابات، لدرجة أن المسؤولين الغربيين اضطروا إلى الاستعانة باحتياطياتهم النفطية الاستراتيجية لتهدئة غضب الناخبين.
في هذه الأثناء، يكافح النظام المالي العالمي تحت وطأة جبال من الديون العامة والتفاوتات العميقة. أصبح محرك النمو الاقتصادي العالمي غير متوازن إلى حد كبير، ويقع العبء الأكبر للنمو على عدد قليل من البلدان.
في حين تكافح العديد من الاقتصادات الناشئة والنامية، تحت وطأة صدمات الطاقة المتتالية، وتغيرات المناخ، وتكاليف الاقتراض الباهظة، خطر السقوط في فقر، إلا أن التقنيات الحديثة وموجة الذكاء الاصطناعي قد وفرت نوعاً من التنفس للاقتصادات المتقدمة.
ومع ذلك، لم تستطع هذه الأدوات إخفاء الفقاعات المالية والمخاوف الناجمة عن انتقال القوى العاملة ومليونية العاطلين عن العمل. وقد مدت عشرات الدول في العالم أيديها طلباً للمساعدة من المؤسسات الدولية لإنقاذها من أزمات تأمين السلع الأساسية، لأن الإعانات والمدخرات الحكومية لدعم الفئات الضعيفة قد نفدت.
خلاصة القول
بالنظر إلى هذه الصورة المظلمة والمتشابكة للاقتصاد العالمي، إذا ارتكبت الولايات المتحدة خطأ استراتيجياً مرة أخرى وهاجمت إيران، فسيُقذف الاقتصاد العالمي بلا شك نحو ركود تضخمي غير مسبوق ولا يمكن إصلاحه.
الهجوم المتجدد يعني الإغلاق الدائم والشامل لمضيق هرمز، والتدمير الكامل للبنى التحتية للطاقة في الخليج الفارسي، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات فلكية لا تصدق. في هذا السيناريو الكارثي، ستُصاب حركة النقل العالمية بالشلل، وتتفكك سلاسل إمداد المواد الغذائية والحبوب، وتنهار الأسواق المالية الكبرى، وسيقضي التضخم الجامح على سبل معيشة مليارات البشر في جميع أنحاء الأرض.
إن استمرار أو تكرار المغامرة العسكرية ليس مجرد توتر إقليمي، بل يعني الضغط على زر تدمير الاقتصاد العالمي، وإعادة البشرية إلى حقبة من الظلام والمجاعة والأزمات المالية، التي لن تلتئم آثارها المدمرة لعقود.
في مثل هذا الجو، لن تتمكن حتى القوى الصناعية الكبرى من إدارة موجات الهجرة، وإفلاس البنوك التجارية، وانهيار النظام التجاري الدولي، وستحرق التكاليف الباهظة لهذا الاستهلاك الذاتي الاقتصادي كافة إنجازات البشرية في العقود الأخيرة في مجالات الرفاهية والتنمية المستدامة، وهو مصير لا ينبغي لأي دولة عاقلة في النظام الدولي أن تسمح بحدوثه.
تشير التهديدات الأخيرة للعميد محسن رضائي، أمين وممثل المرشد الأعلى في المجلس الأعلى للأمن القومي، بشأن استهداف البنى التحتية الاقتصادية المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، وخاصة الإمارات العربية المتحدة، إلى أن طهران قد حددت «عين آشيل» للعدو أكثر من أي وقت مضى، وتنوي منع العدو من شن هجوم متجدد على الأراضي الإيرانية من خلال ضرب البنى التحتية للطاقة، والذكاء الاصطناعي، والإنترنت، والشركات متعددة الجنسيات، والموانئ الاستراتيجية في جنوب الخليج الفارسي.
الآن، علينا أن ننتظر ونرى ما إذا كان دونالد ترامب، الذي وقع في «فخ المصداقية»، سيقوم بأكبر مقامرة في حياته وينهي «القرن الأمريكي»، أو أنه سيستمع إلى نصيحة مستشاريه الاقتصاديين بتجنب الاشتباك العسكري المتجدد مع طهران، ويتجه نحو خفض التوتر ثم الانسحاب من حرب إيران.
