قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

من الضواحي إلى الاعتقال.. ضغوط النظام الصهيوني على الضفة الغربية

كشف تحقيق صحفي عن نمط مقلق في الضفة الغربية، يتجاوز كونه مجرد هجمات متفرقة للمستوطنين، حيث تتداخل اعتداءات المستوطنين مع تدخل قوات الجيش الصهيوني واعتقال فلسطينيين.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن ما تشهده الضفة الغربية في الأشهر الأخيرة لا يقتصر على سلسلة من الهجمات العشوائية لمستوطنين صهاينة ضد الفلسطينيين، بل إن تقريرًا استقصائيًا لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية يكشف عن نمط مثير للقلق، يتمثل في هجوم المستوطنين على الأراضي والمواطنين الفلسطينيين، والذي غالبًا ما يتواصل بتدخل قوات الجيش الصهيوني واعتقال الفلسطينيين أنفسهم.

في هذا النمط، بدلًا من أن تقوم القوات العسكرية بمنع الاعتداء على السكان وأراضيهم، يجد الضحايا أنفسهم في موقع المتهم، وهو مسار يمكن أن يتحول إلى أداة للإرهاب والمعاقبة وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم الزراعية ومراعيها.

هذه هي الصورة التي رسمها تقرير “هآرتس” الاستقصائي، والذي تناولته صحيفة “الجزيرة” في 21 أكتوبر 2026. تكمن أهمية هذا التقرير في أنه لا يتناول المسألة من زاوية عنف المستوطنين فحسب، بل من منظور كيفية تدخل القوات العسكرية الصهيونية وتداعيات ذلك على الحياة اليومية للفلسطينيين.

سيناريو متكرر.. الهجوم يبدأ، والضحية يُعتقل

وفقًا للبيانات التي جمعها صندوق المدافعين عن حقوق الإنسان، والتي استند إليها تقرير “هآرتس”، تم تسجيل 368 حالة اعتقال مشتبه في عدم قانونيتها منذ بداية عام 2026 حتى 15 أكتوبر، وشملت 678 فلسطينيًا، منهم 16 امرأة. في 296 حالة، تم الإفراج عن المعتقلين دون متابعة قضائية.

تقدم هذه الأرقام صورة عن تكرار الاعتقالات التي، بحسب التقرير، وقعت في الغالب في مراعٍ وبساتين وحتى داخل منازل الفلسطينيين. النموذج الموصوف في التقرير يبدأ عادةً بدخول المستوطنين إلى أراضٍ فلسطينية واحتكاكهم بالسكان. بعد ذلك، تصل قوات الجيش، وتقوم بتقييد الفلسطينيين وربط أعينهم، وفي بعض الحالات، بناءً على روايات المستوطنين، تتهمهم بالاعتداء. وبهذا، فإن الشخص الذي يدافع عن أرضه أو عائلته قد يجد نفسه في موقع المتهم.

تنقل “هآرتس” عن إليشع يارد، أحد نشطاء تيار “شباب التلال”، قوله إنهم يبدأون “الاشتباك” عمدًا، ويفتخرون بهذا الإجراء. تكمن أهمية هذا التصريح في أن الاشتباك، في هذه الرواية، ليس مجرد نتيجة غير مقصودة للمواجهات المحلية، بل يمكن أن يكون إجراءً متعمدًا للضغط على الفلسطينيين وإجبارهم على ترك أراضيهم.

الاعتقال.. أداة تتجاوز تطبيق القانون

يركز جزء آخر من التقرير على مدة الاعتقالات وظروفها. وفقًا للوائح العسكرية التي أشارت إليها “هآرتس”، لا يجب أن تتجاوز المدة الأولية للاعتقال ثلاث ساعات، ويتطلب تمديدها لساعات ثلاث إضافية إذنًا من ضابط. بعد انتهاء هذه المهلة، يجب إطلاق سراح الشخص أو تسليمه للشرطة أو جهاز الأمن الداخلي الصهيوني (الشاباك) للاستجواب. ومع ذلك، أفاد التقرير عن حالات استمرت فيها الاعتقالات 10، 15، وحتى 22 ساعة. كما تم اعتقال مراهق يبلغ من العمر 14 عامًا لمدة يومين.

تحكي شهادات منقولة عن الضرب، وتقييد الأيدي والأرجل، والحرمان من الطعام والماء، وترك المعتقلين في البرد. وقد وصفت أربع منظمات حقوقية هذا المسار بأنه استخدام غير قانوني لسلطة الاعتقال للعقاب والترهيب.

قبلت النيابة العامة الصهيونية في ردها الأولي على شكوى مقدمة في المحكمة العليا باحتمال عدم الالتزام باللوائح في بعض الحالات، وتحدثت عن توضيح التعليمات واتخاذ إجراءات تصحيحية. ومع ذلك، وفقًا لرواية “هآرتس”، لا توجد علامات واضحة على تغيير الوضع الميداني، ولا يزال النظر القضائي في الشكوى معلقًا.

من منظور تحليلي، لا تقتصر المسألة على طول فترة الاعتقال. إذا كانت الاعتقالات المتكررة، حتى بدون متابعة قضائية، تعطل حياة المزارعين والرعاة، فإن النتيجة العملية يمكن أن تكون حرمانهم من الوصول الآمن إلى أراضيهم. في مثل هذه الظروف، قد يترك الضغط على الفلسطينيين آثارًا مشابهة على حياتهم ومعيشتهم دون إصدار أمر رسمي لنزع الملكية.

دور الهياكل العسكرية والمستوطنين

يشير تقرير “هآرتس” أيضًا إلى اختلاف طرق التدخل في مناطق مختلفة. في جنوب الخليل، يقوم جزء كبير من الاعتقالات، بحسب التقرير، وحدات الدفاع الإقليمي، وهي وحدات يتم اختيار أعضائها من بين المستوطنين ويلعبون دورًا عسكريًا حول المستوطنات. في منطقة غور الأردن، تشارك وحدات الجيش النظامية في هذه العمليات.

يثير هذا التداخل سؤالًا مهمًا حول الحدود بين حماية المدنيين والدفاع عن مصالح المستوطنين. عندما تتدخل القوات العسكرية في ظروف يقدم فيها المستوطنون كبادئي الاشتباك، فإن طريقة التعامل مع الطرفين ومدى الحياد في تطبيق القانون يصبحان مسألة أساسية. إن تكرار النموذج الذي يترافق فيه هجوم المستوطنين مع اعتقال الفلسطينيين، يبرز بحد ذاته ضرورة مراجعة جدية لأداء القوات العسكرية ومساءلة المؤسسات المسؤولة.

عنف له ثمن دبلوماسي

تجلت الأبعاد الدولية لهذا المسار أيضًا بشكل أوضح في الأسابيع الأخيرة. وفقًا لتقرير “الجزيرة”، في 17 أكتوبر، تعرض أعضاء وفد دبلوماسي أوروبي للأذى بالقرب من قرية الطيبة وتضررت سياراتهم. في اليوم السابق، تعرض المصور الأمريكي هيدي لوين للهجوم بالقرب من أبو فلاح شمال رام الله ونقل إلى المستشفى.

في أعقاب هذه الحوادث، دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو النظام الصهيوني إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة هذه الهجمات. كما تحدثت بلجيكا عن احتمال متابعة فرض عقوبات أوروبية على المسؤولين عن أعمال العنف. تشير هذه ردود الفعل إلى أن عنف المستوطنين، إلى جانب آثاره الإنسانية المباشرة، يمكن أن يسبب تكاليف سياسية ودبلوماسية متزايدة للنظام الصهيوني.

ومع ذلك، يعتقد لازار بيرمان، كاتب في “تايمز أوف إسرائيل”، في تحليل أشارت إليه “الجزيرة”، أن بنيامين نتنياهو يتردد في إدانة هذه الإجراءات بشكل قاطع وينسبها إلى مجموعة هامشية. يربط بيرمان هذا النهج بالاعتبارات السياسية واعتماد نتنياهو على حلفائه اليمينيين المتطرفين، بمن فيهم بتسلئیل سموتريتش وإيتمار بن غفير. هذا التقييم هو تحليل للكاتب، لكنه يبرز بوضوح التعارض المحتمل بين التعامل الفعال مع عنف المستوطنين والاعتبارات الائتلافية لحكومة النظام الصهيوني.

الخلاصة

يقدم تقرير “هآرتس” صورة لوضع قد يترافق فيه الهجوم على الفلسطينيين مع الاعتقال والترهيب وتقييد وصولهم إلى أراضيهم. في ظل هذه الظروف، فإن معيار تقييم أداء النظام الصهيوني ليس فقط عدد الهجمات المدانة أو التعليمات المعلنة، بل يجب النظر فيما إذا كان المهاجمون سيخضعون للمساءلة، وما إذا كان الفلسطينيون سيحصلون على دعم فعال، وما إذا كانت الاعتقالات غير القانونية ستتوقف أم لا.

إذا استمر هذا النمط، فإن النتيجة يمكن أن تتجاوز أي صراع منفرد: إضعاف الأمن اليومي للفلسطينيين، والإضرار بمعيشة الزراعة وتربية الماشية، وزيادة الضغط لترك أراضي سكنهم وعملهم. من هذا المنطلق، فإن ما يهم ليس مجرد وقوع العنف، بل كيفية استجابة الهياكل العسكرية والقضائية للنظام الصهيوني له.

تتطلب المساءلة عن هذا الوضع تحقيقًا مستقلًا في كل حالة، وصول الضحايا إلى آليات شكوى فعالة، وملاحقة مرتكبي العنف، بغض النظر عن هويتهم. ما لم يتم سد الفجوة بين الالتزامات الرسمية والواقع الميداني، فإن الادعاءات المتعلقة بتصحيح الإجراءات لن تتمكن من تبديد المخاوف بشأن استخدام الاعتقال كأداة للضغط على الفلسطينيين.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر للأنباء,هآرتس,الجزيرة

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى