قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

أزمة فرنسا.. هل تعيد تشكيل مستقبل أوروبا؟

تتجاوز الأزمة الفرنسية الراهنة حدود الشأن الداخلي، حيث يخشى القلق في برلين من أن يقلل ضعف فرنسا، إحدى ركيزتي الاتحاد الأوروبي، من قدرة القارة على مواجهة القوى العالمية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن الأزمة الراهنة في فرنسا لم تعد مجرد قضية داخلية للحكومة التي يرأسها إيمانويل ماكرون. في ظل مواجهة البلاد لاحتجاجات اجتماعية، وجمود سياسي، وضغوط اقتصادية، وتزايد نفوذ اليمين المتطرف، فإن القلق الرئيسي في برلين يتمثل في أن ضعف فرنسا سيقلل من قدرة أوروبا على مواجهة التنافس مع القوى العالمية. تنبع أهمية هذا القلق من المكانة الخاصة التي تحتلها فرنسا في هيكل الاتحاد الأوروبي، حيث تشكل، إلى جانب ألمانيا، إحدى الركيزتين الأساسيتين لمشروع الاندماج الأوروبي.

في تقرير صدر بتاريخ 22 أكتوبر 2026، استعرضت شبكة الجزيرة، بالاستناد إلى الصحافة الألمانية، تساؤلات حول ما سيحدث لأوروبا إذا دخلت فرنسا في فترة طويلة من عدم الاستقرار، أو إذا وصل اليمين المتطرف إلى السلطة في انتخابات عام 2027. للإجابة على ذلك، يتوجب استعراض ثلاثة أزمات مترابطة: أزمة الحكم في فرنسا، وتغير المشهد السياسي للمجتمع، وهشاشة محور برلين – باريس.

أزمة الشارع.. أبعد من الاحتجاج على الغلاء

ترتبط الاحتجاجات في فرنسا، وفقًا لتقرير الجزيرة، بارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، واحتجاجات الطلاب، ومطالبات النقابات العمالية. إن انضمام مجموعات اجتماعية مختلفة إلى الاحتجاجات يحمل أهمية خاصة، لأنه يشير إلى أن الاستياء قد يتجاوز مطلباً محدداً ليتحول إلى احتجاج عام ضد أداء الحكومة. تمتلك فرنسا تاريخاً طويلاً من الحراك الشعبي في الشارع. فقد شكلت النقابات العمالية، والشبكات الطلابية، والتقاليد السياسية للاحتجاج، قدرة كبيرة على تنظيم الإضرابات والضغط على الحكومة. لذلك، فإن الاحتجاج في فرنسا ليس مجرد تفريغ للاستياء، بل قد يتحول أحياناً إلى أداة لتغيير السياسات العامة.

مع ذلك، لا ينبغي اعتبار كل موجة احتجاجية علامة على انهيار الحكومة. فالاحتجاج الواسع يتحول إلى أزمة سياسية مستدامة عندما تفشل الحكومة في التوسط بين المجموعات الاجتماعية، أو تقديم تنازلات مقبولة، أو إعادة بناء الثقة العامة. كما أن صور العنف في الشارع لا تدل وحدها على أن غالبية المجتمع تؤيد خياراً سياسياً معيناً. إن المشكلة الرئيسية أمام حكومة ماكرون، بالتالي، ليست مجرد السيطرة على الشارع، بل استعادة الشرعية السياسية وإتاحة المجال لاتخاذ القرارات في ظل انقسام مجتمعي وبرلماني حاد.

الجمود السياسي لماكرون وفرصة اليمين المتطرف

لم يؤد قرار ماكرون بحل البرلمان في عام 2024، بعد فشل القوى الداعمة له في الانتخابات الأوروبية، إلى تشكيل أغلبية مستقرة للحكومة. نتيجة لذلك، واجه الرئيس قيوداً جدية في المضي قدماً بسياساته، وأدت تشكيلات الحكومات الهشة والخلافات حول الميزانية إلى زيادة صعوبة الحكم. في ظل هذه الظروف، فإن انخفاض شعبية الرئيس هو جزء فقط من المشكلة. الأهم هو ما إذا كان النظام السياسي قادراً على اتخاذ القرارات الضرورية، خاصة فيما يتعلق بالميزانية، والدين العام، والإصلاحات الاقتصادية، دون الوقوع في أزمات متكررة.

وفقاً لتقرير الجزيرة، أشارت مجلة «دير شبيغل» الألمانية إلى تصدر مارين لوبان لاستطلاعات الرأي المتعلقة بانتخابات عام 2027. ومع ذلك، فإن التصدر في استطلاعات الرأي لا يعني بالضرورة الفوز الحاسم؛ فنتيجة الانتخابات ستعتمد أيضاً على التشكيلة النهائية للمرشحين، والتحالفات، ومشاركة الناخبين، والوضع القانوني لترشح لوبان. وقد يكون جوردان بارديلا، زعيم حزب التجمع الوطني، خياراً بديلاً لهذه الحركة إذا لم تتوافر إمكانية ترشح لوبان.

النقطة المهمة هي أن اليمين المتطرف لا يحتاج بالضرورة إلى الانتصار في الشارع لزيادة نفوذه. إذا توصل جزء كبير من الناخبين إلى أن الأحزاب التقليدية عاجزة عن حل المشاكل الاقتصادية والسياسية، فإن الحركات المعارضة للوضع الراهن يمكنها بناء رأسمال سياسي من الاستياء العام. في هذا الوضع، قد تصبح وعود استعادة النظام، والسيطرة على الهجرة، وتقييد صلاحيات بروكسل أكثر جاذبية لقطاع من المجتمع.

الأزمة المالية.. حلقة الوصل بين الاقتصاد والسياسة

ترتبط الأزمة السياسية في فرنسا أيضاً بالمشاكل المالية للحكومة. فارتفاع عجز الميزانية وتزايد الدين العام يضع الحكومة أمام خيارات صعبة. لاحتواء الديون، قد يتوجب التحكم في النفقات العامة، أو زيادة الإيرادات الضريبية، أو تنفيذ إصلاحات اقتصادية؛ وهي قرارات تحمل تكلفة سياسية باهظة في ظل الاستياء الاجتماعي. لكن تنفيذ هذه السياسات يصبح أكثر صعوبة في ظل عدم امتلاك الحكومة للدعم السياسي الكافي. قد يؤدي خفض النفقات العامة إلى تفاقم احتجاجات المجموعات المرتبطة بالخدمات الحكومية، كما أن زيادة الضرائب ستواجه مقاومة من الشركات والأسر. في المقابل، فإن تأجيل الإصلاحات قد يزيد من تكلفة اقتراض الحكومة ويحد من المساحة المالية للاستثمار وسياسات الدعم.

نتيجة لذلك، تواجه فرنسا دورة مفرغة محتملة: فالجمود السياسي يجعل الإصلاحات المالية صعبة؛ واستمرار المشاكل المالية يزيد من الاستياء الاجتماعي؛ واتساع نطاق الاستياء يجعل تشكيل تحالف مستقر لحل الأزمة أكثر صعوبة.

لماذا تخشى برلين من ضعف باريس؟

لا ينبع قلق ألمانيا مجرد من احتمال وصول حكومة يمينية في البلاد المجاورة. ففرنسا وألمانيا، على الرغم من خلافاتهما المتكررة، كانتا المحرك الرئيسي للعديد من الاتفاقات الأوروبية. إذا لم تتفق هاتان الدولتان على السياسة المالية، والدفاعية، والعلاقات الخارجية، فإن التوصل إلى قرارات مشتركة في الاتحاد الأوروبي سيصبح أكثر صعوبة. تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في مجال الأمن. ففرنسا هي الدولة العضو الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك ترسانة نووية مستقلة، ولها مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي. تمتلك ألمانيا قدرة اقتصادية وصناعية كبيرة، لكنها لا تمتلك القدرة الردعية النووية المستقلة لفرنسا.

تكتسب الشراكة بين البلدين أهمية أكبر في ظل تساؤلات حول مستقبل الالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه أوروبا، واستمرار الحرب الروسية ضد أوكرانيا في إلقاء بظلالها على الحسابات الأمنية للقارة. لذلك، وحتى قبل أي تغيير محتمل في الحكومة الفرنسية، يواجه محور ألمانيا – فرنسا تحديات حقيقية.

ماذا سيحدث إذا فاز اليمين المتطرف؟

وفقاً لتقرير الجزيرة، يدعو حزب التجمع الوطني بقيادة لوبان إلى خفض مساهمة فرنسا المالية في ميزانية الاتحاد الأوروبي، واستعادة جزء من الصلاحيات من بروكسل إلى باريس، ووقف الدعم لأوكرانيا. إن تحقيق مثل هذه السياسات يمكن أن يفاقم الخلافات بين فرنسا وألمانيا وباقي الدول الأعضاء في الاتحاد.

مع ذلك، فإن فوز اليمين المتطرف لا يؤدي بالضرورة إلى خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي. السيناريو الأكثر احتمالاً قد يتمثل في نشوء صراع طويل حول مدى الاندماج الأوروبي، وسياسة الهجرة، والميزانية المشتركة، والمساعدات لأوكرانيا. وحتى بدون خروج رسمي، فإن الخلاف حول هذه القضايا قد يبطئ عملية اتخاذ القرار في الاتحاد ويحد من قدرته التفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة، والصين، وروسيا.

علاوة على ذلك، لا ينبغي افتراض أن جميع مشاكل أوروبا ستحل أو تتفاقم مع تغيير الحكومة الفرنسية. فألمانيا تواجه أيضاً تحديات اقتصادية ونمو تيارات سياسية معارضة. لهذا السبب، يعتمد مستقبل أوروبا على تفاعل الأزمات الداخلية للقوتين الرئيسيتين فيها، وليس فقط على نتيجة الانتخابات الفرنسية.

خلاصة

يجب أخذ تحذير الصحافة الألمانية على محمل الجد، ولكن ليس بمعنى أن فرنسا على وشك الانهيار التام. القضية الرئيسية هي تزامن أزمة الشرعية السياسية، والضغوط المالية، وتزايد نفوذ الحركات المعارضة للنظام القائم. إذا فشلت الحكومة الفرنسية في إعادة بناء الثقة العامة وإيجاد سبيل لاتخاذ قرارات مستقرة، فإن اليمين المتطرف سيحظى بفرصة أكبر لتحويل الاستياء إلى قوة سياسية. وقد يمتد أثر هذا التطور إلى ما وراء حدود فرنسا: من ضعف التعاون الدفاعي الأوروبي إلى تفاقم الخلافات حول أوكرانيا ومستقبل الاتحاد.

في النهاية، فإن السؤال الاستراتيجي لألمانيا ليس ما إذا كانت فرنسا ستنفصل فجأة عن أوروبا، بل ما إذا كانت أوروبا ستستطيع، في حال استمرار عدم الاستقرار السياسي في أحد أهم أعضائها، أن تواصل العمل كقوة متماسكة أم لا.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى