قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

الصدع الأطلسي في قضية إبستين أوروبا تستقيل وأمريكا تنجو

قضية جيفري إبستين تحولت إلى اختبار للنظم السياسية الغربية، حيث أدت تداعيات شبكة نفوذه إلى استقالات وتحقيقات قضائية في أوروبا، بينما ظلت النخب في الولايات المتحدة بمنأى عن أي تداعيات سياسية خطيرة تذكر.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن قضية جيفري إبستين، رجل الأعمال الأمريكي والمجرم الجنسي سيئ السمعة، تجاوزت كونها مجرد فضيحة قضائية لتتحول إلى اختبار حقيقي للأنظمة السياسية والأعراف الديمقراطية في المجتمعات الغربية.

كشف تفشي شبكة العلاقات المعقدة التي جمعت بين السلطة والثروة والنفوذ حول إبستين عن أبعاد خفية للاستغلال الجنسي، مما وضع المجتمعات الغربية أمام سؤال جوهري: إلى أي مدى يتحمل المسؤولون السياسيون والاقتصاديون مسؤوليتهم أمام الرأي العام والقانون؟

تفاوت التداعيات عبر الأطلسي

لقد كانت تداعيات هذه القضية متباينة بشكل صارخ على جانبي المحيط الأطلسي. ففي أوروبا، بدءاً من لندن وأوسلو وصولاً إلى باريس، أثارت ارتباطات شخصيات سياسية، ملكية ودبلوماسية مع إبستين موجة من الاستقالات والتحقيقات القضائية وتقديم الاعتذارات الرسمية. في المقابل، كانت الاستجابات في الولايات المتحدة، حيث ارتكبت الغالبية العظمى من جرائم إبستين، محدودة وخالية من الثمن السياسي الباهظ الذي دفعته النخب النافذة.

هذا التباين الأطلسي لا يمثل مجرد اختلاف آني في إدارة فضيحة ما، بل يعكس فروقاً أعمق في الثقافة السياسية وهياكل المساءلة ونسبة السلطة إلى الأخلاق العامة، مما جعل هذه القضية بمثابة مرآة تقيّم سلامة الأنظمة السياسية ذاتها.

أوروبا وسقوط النخبة المتتالي

في أوروبا، أدت قضية إبستين إلى سلسلة من الاستقالات والإقالات والتحقيقات القضائية، مما أظهر الحساسية العالية للأنظمة السياسية في القارة إزاء تورط النخبة في الفضائح الأخلاقية.

في بريطانيا، أُقيل بيتر مندلسون من منصبه كسفير في واشنطن وانسحب من مجلس اللوردات. بالتزامن مع ذلك، جُرّد الأمير أندرو من ألقابه الملكية وتم تجميد أنشطة بعض المؤسسات الخيرية المرتبطة بشخصيات قريبة منه.

وفي النرويج، كانت استقالة مونا يول، سفيرة النرويج في الأردن والعراق، نقطة انطلاق لتحقيقات طالت أيضاً توبيورن ياغلاند، رئيس الوزراء السابق للبلاد. كما جاء الاعتذار العلني من ميتي ماريت، زوجة ولي عهد النرويج، كخطوة نادرة بين العائلات المالكة الأوروبية.

وفي فرنسا، واجه جان بيير رافاران وجاك لانغ ضغوطاً سياسية وقضائية. كما بدأت تحقيقات رسمية في دول أوروبا الشرقية، بما في ذلك بولندا ولاتفيا وليتوانيا، بشأن مسؤولين وردت أسماؤهم في وثائق إبستين.

إن تجميد عمل المؤسسات الخيرية المرتبطة بهذه الشبكة أشار إلى أن الاستجابة الأوروبية لم تقتصر على الأفراد، بل سعت إلى تنظيف هيكلي وإعادة بناء الثقة العامة. الفضاء السياسي الأوروبي، خاصة بعد حركة «أنا أيضاً» (Me Too)، لا يتسامح كثيراً مع مثل هذه الفضائح، مما رفع التكلفة السياسية للارتباط بها بشكل كبير حتى دون إثبات التهمة بشكل مباشر.

لماذا لم يسقط أي مسؤول بارز في أمريكا؟

على النقيض تماماً من أوروبا، وفي الولايات المتحدة التي كانت مركزاً للأنشطة والجرائم التي ارتكبها جيفري إبستين، لم يواجه أي مسؤول سياسي أو اقتصادي بارز عواقب وخيمة. ورغم تكرار اسم دونالد ترامب في الوثائق وتقارير وسائل الإعلام المتعلقة بإبستين، لم تؤدِ هذه الارتباطات إلى سقوطه السياسي، بل لم تشكل عائقاً أمام عودته المحتملة إلى سدة الحكم.

بقي هوارد لوتنِك، وزير التجارة، في منصبه رغم نشر وثائق تفيد بارتباطه بإبستين، ولم تتخذ المؤسسات الحكومية أي إجراءات تأديبية ذات مغزى. وفي القطاع الاقتصادي، قدمت المؤسسات المالية الكبرى الدعم لمديريها ومستشاريها الذين وردت أسماؤهم على هامش هذه القضية.

شخصيات مثل إيلون ماسك وستيف بانون تجاوزوا حاشية القضية دون مواجهة تداعيات عملية. وركز الخطاب السائد في أمريكا ليس على المسؤولية الأخلاقية للنخبة، بل على ضرورة التعامل مع المجرمين الرئيسيين؛ وهو نهج يحد عملياً من دائرة المساءلة ويحصن الأفراد النافذين من التبعات السياسية.

الأشخاص الوحيدون الذين تنحوا عن مناصبهم كانوا من ذوي النفوذ السياسي المباشر المحدود؛ مما يشير إلى أن السقوط في الهيكل السياسي الأمريكي غالباً ما يكون نتيجة لفقدان الركائز الداعمة للسلطة، وليس نتيجة لضغط الرأي العام.

تحليل ثقافي هيكلي لجذور الصدع الأطلسي

يجد التباين في ردود الفعل على قضية إبستين عبر الأطلسي جذوره، في المقام الأول، في اختلاف هياكل الحكم. في معظم الدول الأوروبية، تسود الأنظمة البرلمانية التي تعتمد شرعيتها السياسية على ثقة البرلمان والرأي العام.

في المقابل، يمنح النظام الرئاسي الأمريكي تركيزاً أكبر للسلطة في يد الرئيس، ويجعل آليات المساءلة أكثر تعقيداً وبطئاً. عمليات العزل والمحاكمة السياسية الرسمية تتطلب إجماعاً واسعاً، وهو ما يصطدم عملياً بجدار الاستقطاب الشديد في المشهد الأمريكي.

بالإضافة إلى الهيكل السياسي، تلعب الاختلافات الثقافية العميقة دوراً حاسماً. ففي العديد من المجتمعات الأوروبية، أدى ضغط وسائل الإعلام وحساسية الرأي العام، خاصة بعد حركات مثل «أنا أيضاً»، إلى خفض شديد في عتبة التسامح تجاه الاستغلال الجنسي وشبكات القوة. أما في أمريكا، فقد أدى الاستقطاب السياسي إلى إعادة تعريف الفضائح الأخلاقية في إطار التنافس الحزبي، مما جعل التكلفة المعنوية على الجماعات الداعمة لشخصية سياسية معينة غير فعالة عملياً. لقد أصبح أسلوب المماطلة والإنكار والهجوم المضاد وتجنب تحمل المسؤولية، الذي يُنسب إلى أسلوب ترامب في ممارسة السياسة، عرفاً سائداً في جزء من المشهد الأمريكي.

في المقابل، لا يزال الاستقالة وقبول المسؤولية جزءاً من منطق الحفاظ على الثقة العامة في أوروبا. هذا الاختلاف الهيكلي والثقافي هو ما حوّل قضية إبستين إلى زلزال سياسي في أوروبا، وإلى أزمة تمت السيطرة عليها ومنخفضة التكلفة في أمريكا؛ وهو صدع لا يتحدث فقط عن فضيحة معينة، بل عن معنى المساءلة في الديمقراطيات المعاصرة.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى