حصانة القوى الكبرى من العقاب.. دوامة الحروب وجرائم الحرب

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن حصانة القوى الكبرى من العقاب تمثل إحدى أكبر أزمات النظام الدولي المعاصر، وهي ليست مجرد تضحية بالعدالة، بل إنها تمهد عملياً الطريق لتكرار الحروب والانتهاكات والكوارث الإنسانية الجديدة. ففي كل مرة تقوم فيها دولة قوية بارتكاب حرب أو احتلال أو قتل مدنيين دون دفع ثمن سياسي وقانوني، فإن هذه الرسالة تصل إلى العالم بأن القواعد الدولية كُتبت فقط للدول الضعيفة، وأن اللاعبين الأقوياء يمكنهم التصرف خارج نطاق القانون. والنتيجة الوحيدة لمثل هذا الوضع ليست سوى إضعاف النظام العالمي، وانتشار عدم الاستقرار، وتكرار المآسي الإنسانية.
حصانة القادة الأمريكيين
في هذا الإطار، يربط تقرير نقدي وغير مسبوق لصحيفة “Current Affairs” الأمريكية مباشرة بين حصانة القادة الأمريكيين من المساءلة ووقوع الكوارث الإنسانية اللاحقة. ويجادل كاتب التقرير، بالإشارة إلى الهجوم المميت الذي استهدف مدرسة في ميناب واستشهاد طلاب أبرياء، بأنه لو كان المسؤولون عن حرب العراق، بمن فيهم جورج بوش وغيره من المسؤولين الأمريكيين، قد تعرضوا للملاحقة القانونية لانتهاكهم القانون الدولي وجرائم الحرب، لربما لم نشهد تكرار مثل هذه المآسي اليوم.
قد تبدو هذه الحجة وهمية وذهنية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تستند إلى أحد المبادئ المقبولة في العلوم السياسية والقانون الدولي، وهو “الردع”. فكما أن معاقبة المجرمين على المستوى المحلي يمكن أن تمنع الآخرين من ارتكاب الجريمة، فإن محاسبة القادة وصناع القرار الحربيين يمكن أن تقلل من احتمالية وقوع حروب وجرائم مستقبلية. وعندما يكون المسؤول السياسي متأكداً من أنه سيُسأل أمام المحاكم الدولية بعد انتهاء فترة سلطته، فإنه سيتصرف بحذر أكبر في اتخاذ القرارات العسكرية المكلفة والمحفوفة بالمخاطر.
لكن تجربة العقدين الماضيين تشير إلى أن هذا المبدأ نادراً ما تم تطبيقه على القوى الكبرى. ويُعد الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وحلفاؤها على العراق عام 2003 أحد أهم أمثلة هذه القضية. فالحرب التي بدأت بحجة وجود أسلحة دمار شامل، تبين لاحقاً أنها ادعاءات خالية من أي أساس واقعي. وكانت نتيجة هذه الحرب مقتل مئات الآلاف، وتدمير البنية التحتية لبلد، وظهور جماعات متطرفة، وبدء فترة طويلة من عدم الاستقرار في المنطقة. وعلى الرغم من هذه التداعيات الكارثية، لم يواجه أي من المخططين الرئيسيين لحرب العراق المساءلة أمام محكمة دولية.
غياب المساءلة وثقافة الحصانة
هذا الغياب للمساءلة أدى تدريجياً إلى خلق نوع من ثقافة الحصانة. ففي مثل هذا الجو، يخلص القادة السياسيون إلى أن احتمالية مواجهة عواقب قانونية ضئيلة للغاية، حتى لو اتخذوا قرارات أدت إلى مقتل الآلاف من المدنيين. بعبارة أخرى، تكلفة الحرب على صناع القرار أقل بكثير من التكلفة التي يتحملها عامة الناس والضحايا.
ويستند تقرير “Current Affairs” إلى هذا المنطق، فيتحدث عن ملاحقة مسؤولي إدارة دونالد ترامب لدورهم في الإجراءات العسكرية ضد إيران. يعتقد الكاتب أنه إذا أراد النظام القانوني الدولي الحفاظ على مصداقيته، فيجب ألا يميز بين مختلف البلدان والقادة. من وجهة نظره، لا يصبح للقانون الدولي معنى إلا إذا طُبق بشكل موحد على جميع اللاعبين، بغض النظر عن مستوى قوتهم السياسية والعسكرية.
وهذا يشير إلى أحد أكبر التناقضات في النظام الدولي اليوم. فالعديد من الدول الغربية تقدم نفسها كمدافعة عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، وقد طالبت مراراً بمحاكمة قادة دول أخرى، لكن عندما يتعلق الأمر بتقييم أدائهم، تعمل الآليات القانونية والسياسية بطريقة تقضي على إمكانية المساءلة الحقيقية. وقد أدى هذا الموقف المزدوج إلى انخفاض الثقة العالمية في المنظمات الدولية، ورأت العديد من الدول هذه المنظمات أدوات سياسية لممارسة الضغط على المنافسين.
التداعيات طويلة الأمد للحصانة وعدم معاقبة المعتدي
في الواقع، المشكلة الرئيسية ليست مجرد وقوع حرب أو هجوم معين، بل هي التداعيات طويلة الأمد لعدم معاقبة مثل هذه الإجراءات. عندما تنتهي حرب دون مساءلة، يتكون انطباع بأن استخدام القوة يمكن أن يكون أداة مشروعة وقليلة التكلفة لتعزيز الأهداف السياسية. وهذا الوعي بمرور الوقت يمهد الطريق لأزمات جديدة ويعيد إنتاج دائرة العنف.
وتؤكد أمثلة تاريخية متعددة هذه الحقيقة. فبعد الحرب العالمية الثانية، لم تهدف محاكمات نورمبرغ وطوكيو فقط إلى معاقبة المسؤولين عن جرائم الحرب، بل سعت إلى هدف أهم: إرسال رسالة مفادها أن لا مسؤول سياسي أو عسكري فوق القانون. ورغم أن هذه التجربة لم تخلُ من الانتقادات، إلا أنها على الأقل رسخت مبدأ المساءلة كأحد أركان النظام الدولي.
ومع ذلك، في العقود التي تلت ذلك، تأثر تطبيق هذا المبدأ بشدة بالاعتبارات المتعلقة بالقوة. ففي العديد من الحالات، تمت محاكمة قادة الدول الضعيفة أو المهزومة، بينما ظل قادة القوى الكبرى بمنأى عن أي ملاحقة قضائية. وهذا المعيار المزدوج يضع فلسفة العدالة الدولية برمتها موضع تحدٍ.
الهجوم على مدرسة ميناب، رمز انتصار القوة على القانون
الهجوم على مدرسة ميناب وشهادة الطلاب ليس مجرد حادثة أليمة في نقطة جغرافية. هذا الحدث هو رمز للتداعيات العالمية للحروب التي تنتصر فيها القوة على القانون. عندما لا تستطيع القواعد القانونية حماية المدنيين، ويكون مرتكبو عمليات القتل واثقين من حصانتهم، فسيكون الضحايا الرئيسيون هم الأطفال والنساء والشعوب التي ليس لها دور في القرارات السياسية والعسكرية.
من هذا المنظور، فإن عبارة “بنات ميناب كنّ على قيد الحياة لو بوش حوكم” تشير إلى حقيقة مؤلمة. لو كان المجتمع الدولي قد تصرف بحزم أكبر تجاه الحروب الماضية، لو تمت ملاحقة مرتكبي الانتهاكات وجرائم الحرب دون الاكتراث بجنسيتهم أو قوتهم، لو تحول القانون الدولي إلى أداة حقيقية لتطبيق العدالة، لربما لم تحدث العديد من المآسي اليوم.
بالطبع، المساءلة وحدها لا يمكنها القضاء على الحرب من العالم، لكنها بلا شك واحدة من أهم أدوات منع تكرارها. فالعدالة يصبح لها معنى عندما يكون الجميع متساوين أمامها. إذا أدرك قادة الدول القوية أنهم، مثل قادة الدول الصغيرة، يجب أن يحاسبوا على أفعالهم، فإن حساباتهم السياسية ستتغير، واحتمالية اللجوء إلى الخيارات العسكرية ستقل.
خاتمة
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ترتبط مصداقية النظام القانوني الدولي بالسؤال عما إذا كان القانون سيُطبق بشكل متساوٍ على الجميع أم لا. إذا كانت الإجابة بالنفي، فسيواجه العالم خطر استمرار دوامة من الحروب والأزمات وعمليات القتل الجديدة. ولكن إذا تم تطبيق مبدأ المساءلة دون تمييز، فربما يمكننا أن نأمل في ألا تتكرر مآسٍ مثل تلك التي وقعت في ميناب.
