قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

لبنان ساحة اختبار الطموحات الأمنية الفرنسية في حقبة ما بعد اليونيفيل

تتجاوز التحولات الأخيرة المتعلقة بمستقبل مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مجرد مناقشة فنية حول تمديد أو إنهاء بعثة دولية، إذ تسعى باريس لرسم رؤية جديدة لدور أوروبا في شرق المتوسط قد تؤثر على الموازين الأمنية الإقليمية.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التحولات الأخيرة المتعلقة بمستقبل مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) تتجاوز مجرد مناقشة فنية حول تمديد أو إنهاء بعثة دولية. وتُظهر تصريحات سيباستيان لوكورنو، حول ضرورة مشاركة أوسع للدول الأوروبية في تأمين لبنان، أن باريس ترسم رؤية جديدة لدور أوروبا في شرق المتوسط، وهي رؤية قد تؤثر على الموازين الأمنية الإقليمية في السنوات القادمة.

ويقع لبنان اليوم في نقطة تقاطع عدة أزمات متزامنة؛ فأزمة اقتصادية وضعف المؤسسات الحكومية من جهة، وتداعيات حرب غزة وتصاعد التوتر على الحدود الجنوبية مع النظام الصهيوني من جهة أخرى. وفي ظل هذه الظروف، يثير احتمال إنهاء مهمة اليونيفيل في عام 2026 مخاوف جدية بشأن مستقبل النظام الأمني في جنوب لبنان، وهي منطقة تحولت على مدى العقود الماضية إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية جيوسياسياً في الشرق الأوسط، وأي فراغ أمني فيها قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود لبنان.

في غضون ذلك، تسعى فرنسا لتقديم نفسها كمهندس أساسي للمرحلة التي تلي اليونيفيل. ويجب تحليل اقتراح باريس لبحث آليات أمنية جديدة واحتمالية نشر قوة دولية بمشاركة دول أوروبية في إطار الاستراتيجية الشاملة لفرنسا لتعزيز دور أوروبا في إدارة الأزمات المحيطة. ويتماشى هذا النهج تمامًا مع مفهوم «الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية» الذي أصبح أحد محاور السياسة الخارجية الفرنسية في السنوات الأخيرة.

من وجهة نظر باريس، لا يمثل لبنان مجرد ملف أمني، بل جزء من التراث التاريخي ومجال النفوذ التقليدي لفرنسا في الشرق الأوسط. منذ انتداب فرنسا على لبنان في القرن العشرين وحتى اليوم، احتلت فرنسا مكانة خاصة في السياسة الخارجية الفرنسية. ولهذا السبب، فإن أي تحول أساسي في البنية الأمنية للبنان قد يؤثر على مصداقية ونفوذ فرنسا الإقليمي. والدعم المستمر للجيش اللبناني، والمشاركة في المساعدات الإنسانية، والوساطات السياسية في السنوات الأخيرة، كلها يمكن تقييمها في هذا الإطار.

ومع ذلك، فإن أهداف فرنسا لا تقتصر على لبنان. فقد أدىت الحرب في أوكرانيا، وتقليل التركيز الاستراتيجي للولايات المتحدة على الشرق الأوسط، وتزايد التنافس بين القوى الإقليمية إلى رؤية باريس فرصة مناسبة لتعزيز الدور الجيوسياسي لأوروبا في شرق المتوسط. ومن هذا المنطلق، يمكن لإنشاء آلية أمنية جديدة في لبنان أن يصبح نموذجاً لحضور أوروبي أكثر فعالية في الأزمات الإقليمية، ويظهر أن الاتحاد الأوروبي قادر على لعب دور في المجال الأمني، بما يتجاوز الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية.

رغم ذلك، يواجه تحقيق هذا السيناريو عقبات عديدة. أولاً، لا يوجد إجماع كامل بين الدول الأوروبية حول حجم وطريقة المشاركة في لبنان. فالعديد من الحكومات الأوروبية لديها رغبة محدودة في الانخراط في بعثات خارجية محفوفة بالمخاطر في ظل الظروف الحالية. ثانياً، أي خطة أمنية جديدة يجب أن تأخذ في الاعتبار حتمًا اعتبارات مختلف الأطراف، بما في ذلك الحكومة اللبنانية، والنظام الصهيوني، والأمم المتحدة، والقوى الداخلية المؤثرة في لبنان. ثالثًا، استمرار عدم الاستقرار الإقليمي يمكن أن يواجه أي آلية جديدة بتحديات الشرعية والكفاءة.

نتيجة لذلك، فإن النقاش الحالي حول مستقبل اليونيفيل هو في الواقع جزء من تنافس أوسع لإعادة تشكيل النظام الأمني المستقبلي لشرق المتوسط. وتسعى فرنسا إلى استغلال هذه المرحلة لتثبيت مكانتها كقائدة للمبادرات الأمنية الأوروبية، لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على مدى قدرة باريس على كسب دعم الشركاء الأوروبيين وإيجاد توازن بين أطراف الصراع في المنطقة.

لن يكون لبنان في السنوات القادمة مجرد مسرح لمهمة حفظ سلام، بل سيصبح أحد أهم ساحات اختبار قدرة أوروبا على لعب دور مستقل في المعادلات الأمنية الدولية. ولهذا السبب، فإن ما يُطرح اليوم في باريس حول مستقبل أمن لبنان، يرتبط بأكثر من مجرد مصير بعثة للأمم المتحدة، بل بمستقبل مكانة أوروبا في النظام العالمي بعد الحروب الأخيرة. الباحث في الشؤون الفرنسية

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, Webangah News Agency

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى