قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

جورجيا وإيران: فرصة لتشكيل شبكة تعاون أوراسية

تسعى جورجيا إلى اتباع سياسة خارجية متعددة الأبعاد، توازن فيها بين علاقاتها مع الغرب والسعي لتجنب المواجهة الاقتصادية المباشرة مع روسيا وإيران، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والترانزيتي مع طهران.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، برزت جورجيا في السنوات الأخيرة كنموذج مهم للسياسة الخارجية متعددة الأوجه في البيئة الجيوسياسية لأوراسيا. فمن ناحية، تسعى تبليسي، على عكس بعض الدعاية الإعلامية، للحفاظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاستفادة من المزايا الاقتصادية والسياسية للارتباط بالغرب. ومن ناحية أخرى، وخاصة بعد حرب أوكرانيا، سعت إلى تجنب الدخول المباشر في مواجهة اقتصادية مع روسيا وإيران، وغيرها من اللاعبين الإقليميين في جوارها. وقد تجلت هذه السياسة في علاقتها بإيران.

في تقريرها لعام 2025 عن جورجيا، أوضح الاتحاد الأوروبي أن مدى توافق هذا البلد مع مواقف وعقوبات الاتحاد الأوروبي قد انخفض ليصل إلى حوالي 40% بحلول أكتوبر 2025. كما أكد التقرير أن جورجيا لم تنضم إلى غالبية الإجراءات التقييدية التي فرضها الاتحاد الأوروبي ضد روسيا وبيلاروسيا وإيران. وقد لوحظ نفس الاتجاه في تقرير عام 2024، حيث تم الإعلان عن نسبة توافق جورجيا مع السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي بنسبة 49%.

بالطبع، هذا الوضع لا يعني أن جورجيا أصبحت مكاناً لتجاهل العقوبات الأمريكية بالكامل. فقد أجرت البنك الوطني الجورجي في أبريل 2024 محادثات مع الممثل الخاص للولايات المتحدة للشؤون الإيرانية بشأن تنفيذ العقوبات المتعلقة بإيران، وأكد على إجراءاته في هذا الصدد. ولذلك، يجب التفريق بين عدم انضمام النظام السياسي الجورجي إلى نظام العقوبات وبين عدم الامتثال للعقوبات الملزمة للبنوك والشركات الجورجية.

على الرغم من هذه القيود، فإن العلاقات بين إيران وجورجيا لديها قدرات تتجاوز بكثير المستوى الحالي للتجارة الثنائية. إن موقع جورجيا على الساحل الشرقي للبحر الأسود وموقع إيران في الخليج الفارسي وبحر العرب، عند ربطها بشبكات النقل في روسيا وآسيا الوسطى، سيخلق مجموعة جيو-اقتصادية مهمة لإيران. وستساعد مثل هذه الشبكة، من خلال زيادة تنوع المسارات التجارية، وتقليل التركيز على المسارات التي تسيطر عليها غربياً، وزيادة القدرة التفاوضية لإيران، في تعزيز الصمود الاقتصادي والاستراتيجي لإيران في مواجهة الضغوط الخارجية التي تواجه حصاراً بحرياً غير قانوني أمريكياً في الجنوب.

لماذا لم تنضم جورجيا إلى عقوبات إيران؟

السياسة الخارجية متعددة المتجهات لجورجيا: يجب البحث عن العامل الأهم في طبيعة السياسة الخارجية لجورجيا. فبعد حرب عام 2008 مع روسيا، أقامت تبليسي علاقات عميقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، لكن هذه الروابط لا تعني قبولاً كاملاً لجميع سياسات العقوبات الغربية. وبسبب قربها من روسيا واعتماد اقتصادها بشكل كبير على التجارة والسياحة والنقل والاستثمار الإقليمي، لا تستطيع جورجيا التدخل بسهولة في جميع النزاعات الاقتصادية والسياسية الغربية ضد موسكو، وبالطبع لم تنسَ الذاكرة المريرة للصراع العسكري مع روسيا وتبعاته الثقيلة.

وقد تم تطبيق نفس المنطق إلى حد ما على إيران. بالنسبة لجورجيا، لا تمثل إيران أي تهديد عسكري على الإطلاق، بل تعتبر دولة مجاورة في المنطقة، وسوقاً محتملة، ومصدراً موثوقاً لتزويد الطاقة، وجزءاً من شبكة الاتصالات في القوقاز وغرب آسيا.

ونتيجة لذلك، سعت تبليسي إلى تحقيق توازن بين هدفين: الحفاظ على الوصول إلى النظام الاقتصادي الغربي ومنع التحول إلى أحد أطراف المواجهة الأمريكية المباشرة مع إيران.

هذا النهج واضح أيضاً في تقارير الاتحاد الأوروبي. فبينما انتقد الاتحاد الأوروبي المستوى المنخفض لتوافق جورجيا مع السياسة الخارجية الأوروبية المشتركة، أعلن أن هذا البلد لم ينضم إلى غالبية العقوبات المتعلقة بإيران.

المصالح الاقتصادية لجورجيا: لا يزال حجم التجارة بين إيران وجورجيا محدوداً نسبياً، لكن اتجاهه كان متزايداً. ووفقاً للبيانات المنشورة، بلغت قيمة التجارة بين البلدين في عام 2024 حوالي 322 مليون دولار، وهو أعلى رقم تم تسجيله حتى ذلك الحين. وتكمن أهمية هذا الرقم ليس فقط في حجمه، بل الأهم هو إمكانية زيادة سعته. يمكن لإيران أن توفر سوقاً كبيرة لجورجيا في جنوب وشرق آسيا، ويمكن لجورجيا أن تكون بوابة نحو البحر الأسود وأوروبا الشرقية وشبكات النقل الأوروبية. ولذلك، من وجهة نظر تبليسي، ليس من المنطقي قطع العلاقات الاقتصادية الكاملة مع طهران.

تدهور العلاقات الأمريكية الجورجية: يجب فهم هذا القرار أيضاً في سياق العلاقات الأمريكية الجورجية المتضررة بشدة. ففي 30 نوفمبر 2024، علقت الولايات المتحدة مشاركتها الاستراتيجية مع جورجيا رداً على قرار الحكومة الجورجية بتعليق محادثات عضوية الاتحاد الأوروبي وما وصفته واشنطن بـ “الإجراءات غير الديمقراطية”. وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن قرار حكومة هذا البلد، بقيادة حزب “الحلم الجورجي”، بوقف عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يتعارض مع المبادئ الأساسية لميثاق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

ثم في 27 ديسمبر 2024، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية بيبزينا إيفانيشفيلي، مؤسس ورئيس فخري لحزب “الحلم الجورجي”، على قائمة العقوبات الخاصة بها، بسبب ما وصفته واشنطن بـ “إضعاف المستقبل الديمقراطي والأطلسي-الأوروبي لجورجيا لصالح الاتحاد الروسي”. جاء هذا الانفصال بعد سنوات من السلطوية المتزايدة في تبليسي والتوافق مع أعداء أمريكا، خاصة روسيا وإيران. وكان النهج الحاد والتدخلي لأمريكا تجاه التطورات الداخلية في جورجيا، وبالأخص انزعاج أمريكا من نفور غالبية شعب هذا البلد من الغربيين، من بين أسباب هذه المواقف غير المنطقية والمتطرفة.

مكانة إيران في أمن الطاقة الجورجي: يعد قطاع الطاقة أحد مجالات التفاعل المهمة بين الطرفين. وتعتمد جورجيا على مصادر خارجية لتأمين طاقتها، وقد سعت في السنوات الأخيرة إلى تقليل اعتمادها على مورد واحد أو عدد قليل من الموردين. ويمكن لإيران، في حالة إنشاء ترتيبات قانونية ومالية وبنية تحتية مناسبة، أن تساهم في تنويع سلة الطاقة الجورجية، وخاصة لتوفير الغاز. ويعتبر سجل إرسال الغاز الإيراني إلى جورجيا في عام 2006، وكذلك إمكانية استخدام آليات المبادلة (Swap) في هذا المجال، مفيداً. وبهذا المعنى، فإن إيران ليست مجرد سوق لجورجيا، بل يمكن أن تكون جزءاً من معادلة الحفاظ على أمن الطاقة لهذا البلد.

الموقع الترانزيتي لجورجيا: تقدم جورجيا نفسها كمركز للطاقة والنقل في المنطقة. وأعلنت وزارة الاقتصاد في البلاد في عام 2025 أن تبليسي تعتزم زيادة قدرتها الترانزيتية ودورها كمركز للطاقة الإقليمي. ولذلك، فإن جورجيا بطبيعة الحال مهتمة بأن تصبح بلداً يمكن نقل المزيد من البضائع إليه من الجنوب عبر موانئها وسككها الحديدية. وإيران لديها بالضبط هذه القدرة.

القدرات الحقيقية للتعاون بين إيران وجورجيا

ممر الخليج الفارسي – البحر الأسود: أحد أهم المشاريع هو إنشاء وتعزيز مسار النقل الممر بين الخليج الفارسي والبحر الأسود.

وقد ناقشت إيران وأرمينيا وجورجيا، إلى جانب أذربيجان، في السنوات الأخيرة إنشاء مسارات عبور جديدة بين الخليج الفارسي والبحر الأسود. ويحظى مسار إيران – أرمينيا – جورجيا بأهمية جيوسياسية خاصة، لأنه يربط إيران بشبكة البحر الأسود دون المرور عبر الأراضي التركية، مما يحد من احتكار هذا البلد المنافس. ويمكن أن يكون هذا المسار مهماً لصادرات إيران إلى أسواق جورجيا وبلغاريا ورومانيا وأوروبا الشرقية.

من ناحية أخرى، يمكن أن تكون إيران بالنسبة لجورجيا طريقاً للوصول إلى أسواق الخليج الفارسي والهند وجنوب آسيا. ولذلك، لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين إيران وجورجيا فقط في إطار التجارة الثنائية، بل يجب تقييمها كجزء من هندسة النقل الشمال-جنوب.

ربط ممر الشمال-الجنوب بالبحر الأسود: يربط ممر الشمال-الجنوب الدولي إيران عبر بحر قزوين وروسيا بشمال أوراسيا. وهذا الممر عبارة عن شبكة يبلغ طولها حوالي 7200 كيلومتر تربط روسيا وإيران والقوقاز وبحر قزوين والخليج الفارسي والهند.

إذا تم ربط هذه الشبكة بمسارات جورجيا والبحر الأسود، يمكن لإيران أن تمتلك مجموعة من المسارات المتنوعة بدلاً من الاعتماد على مسار واحد أو مسارين محدودين، وهي:

  1. روسيا – بحر قزوين – إيران – الخليج الفارسي
  2. آسيا الوسطى – بحر قزوين – القوقاز – جورجيا – البحر الأسود
  3. إيران – أرمينيا – جورجيا – البحر الأسود

هذا التنوع بحد ذاته ميزة جيوسياسية.

النقل بالسكك الحديدية: يمكن لاستكمال خط سكة حديد رشت – أستارا، وتطوير موانئ شمال إيران، وتحسين الاتصالات بالسكك الحديدية مع شبكة السكك الحديدية الروسية أن يعزز تدريجياً مكانة إيران في تجارة أوراسيا.

من ناحية أخرى، تعمل جورجيا أيضاً على تطوير وتعزيز مكانتها في الممرات الشرقية-الغربية. وقد اكتسبت هذا البلد تدريجياً مكانة مهمة في المنافسة بين ممرات أوراسيا المختلفة، بما في ذلك الممر الأوسط ومسار الشمال-الجنوب. ويمكن للتعاون بين إيران وجورجيا أن يربط هاتين الشبكتين.

تجارة البضائع: يمكن للبلدين تصميم خطة مدتها خمس سنوات لزيادة التجارة الثنائية. تتمتع إيران بميزة في مجالات مثل المواد الغذائية والزراعية، ومواد البناء، والمنتجات البتروكيماوية، والأدوية والمعدات الطبية، والمنتجات الصناعية، والآلات، والمنتجات القائمة على المعرفة، والسجاد والحرف اليدوية، والخدمات الفنية والهندسية.

في المقابل، يمكن لجورجيا أن توفر لإيران قدرات في مجالات الخدمات اللوجستية، واستخدام موانئ البحر الأسود، والخدمات السياحية، والخدمات المالية والتجارية القانونية، وتكنولوجيا المعلومات، والصناعات الغذائية، وخدمات النقل.

التجارة الحالية ليست لصالح صادرات جورجيا إلى إيران في الغالب، والميزان التجاري يميل لصالح إيران. ولذلك، يجب تصميم آليات لزيادة صادرات إيران وزيادة واردات البضائع والخدمات الجورجية إلى إيران. وتشير بيانات عام 2024 إلى أن حجم التجارة البالغ 322 مليون دولار لا يزال بعيداً عن القدرات الاقتصادية المحتملة للبلدين.

السياحة: مجال منخفض التكلفة ولكنه مهم

تعد السياحة واحدة من أسهل مجالات تطوير العلاقات بين البلدين. ففي عام 2024، سافر حوالي 146 ألف سائح إيراني إلى جورجيا. ويمكن أن تمتلك إيران أيضاً جاذبية للسياح الجورجيين في المجالات التاريخية والثقافية والطبية والطبيعية والسياحة الدينية. يمكن لتطوير الرحلات الجوية المباشرة، والجولات المشتركة، وتسهيل المدفوعات السياحية أن يعزز العلاقات الاقتصادية بين البلدين دون الحاجة إلى استثمارات ضخمة.

الطاقة: أهم قدرة طويلة الأجل

إذا أرادت إيران وجورجيا الارتقاء بعلاقاتهما من مستوى “الجوار الاقتصادي” إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الاقتصادية”، يجب أن تكون الطاقة أحد الأعمدة الرئيسية. تمتلك إيران احتياطيات هائلة من الغاز والنفط، وتسعى جورجيا إلى تنويع مصادر طاقتها. ويعتبر إحياء صادرات الغاز الإيراني إلى جورجيا هو حلقة النجاح بالضبط في هذا المجال. ولكن في ظل العقوبات، يتطلب تطوير التعاون في قطاع الطاقة دراسة قانونية دقيقة وحل المشكلات المتعلقة به. ولذلك، فإن اقتراح عملي آخر هو إنشاء مشاريع أصغر وأكثر شفافية في مجالات الكهرباء والطاقات المتجددة والمبادلة والتعاون الفني.

أهمية دور روسيا ودول آسيا الوسطى

للتعاون بين إيران وجورجيا بمفرده أهمية وتأثير محدود، ولكن إذا تم وضع هذه العلاقة في شبكة أكبر تشمل روسيا وكازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، فإن آثارها الجيوسياسية ستكون أكبر بكثير. يمكن لمثل هذه الشبكة، جنباً إلى جنب مع التحرك نحو “وحدة سياسية”، إنشاء شبكة ربط اقتصادي في أوراسيا على النحو التالي:

إنشاء مسارات متعددة ومستقلة لتجارة إيران: في ظل الضغط الأمريكي، فإن أضعف نقطة ضعف لإيران هي الاعتماد على عدد محدود من المسارات المالية والبحرية والتجارية. يمكن لشبكة إيران – بحر قزوين – روسيا – آسيا الوسطى – جورجيا أن تزيد من عدد المسارات المتاحة، وأن تفيد دولاً مثل الهند وبعض دول جنوب الخليج الفارسي. في هذه الحالة، فإن الضغط على مسار واحد بسبب تلاعب أمريكي أو مشاكل ناجمة عن العقوبات أو الصراعات العسكرية لن يعني بالضرورة وقف التجارة بأكملها في المنطقة.

تحويل إيران إلى جسر بين آسيا الوسطى والمياه المفتوحة: تعاني دول آسيا الوسطى من مشكلة الحصار البري وتحتاج إلى مسارات دول أخرى للوصول إلى المياه المفتوحة. تتمتع إيران بميزة مهمة: الوصول المتزامن إلى الخليج الفارسي وبحر العرب وبحر قزوين وشبكة السكك الحديدية الشمالية-الجنوبية. ولذلك، يمكن أن تكون إيران واحدة من أهم مسارات الوصول إلى الأسواق الجنوبية لكازاخستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان وأوزبكستان. وفي المقابل، يمكن لهذه الدول توفير الموارد والسلع والأسواق التي تحتاجها إيران. وتخلق هذه العلاقة اعتماداً متبادلاً إيجابياً، وهو أكثر قيمة استراتيجية من مجرد زيادة حجم التجارة الثنائية.

دور روسيا: تلعب روسيا دوراً خاصاً في هذه الشبكة. فموسكو، بسبب العقوبات الغربية بعد حرب أوكرانيا، تسعى أيضاً إلى إيجاد مسارات تجارية بديلة. وعليه، فإن مصالح روسيا وإيران تتداخل إلى حد كبير في تطوير ممر الشمال-الجنوب. ولذلك، يمكن النظر إلى زيادة اهتمام روسيا بهذا الممر في إطار جهودها لإعادة بناء سلاسل التوريد خارج السيطرة الغربية.

إذا تعاونت روسيا وإيران ودول آسيا الوسطى في تطوير البنية التحتية للسكك الحديدية والموانئ والجمارك، وانضمت جورجيا في منطقة البحر الأسود إلى هذه الشبكة، فستتشكل شبكة تجارية متعددة الأوجه.

كيف تساعد هذه الشبكة إيران على الصمود أمام الولايات المتحدة؟

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى عدة نقاط.

تقليل قابلية التأثر بالعبور (الترانزيت): تكون العقوبات أكثر فعالية عندما تستطيع الحد من مسارات تجارة بلد ما. وإذا كانت إيران تمتلك عدة مسارات بديلة، فسيكون للضغط على مسار واحد تأثير أقل. ولذلك، لا ينبغي أن تكون استراتيجية إيران مجرد الالتفاف على العقوبات، بل يجب التركيز على زيادة الخيارات المتاحة لزيادة التجارة.

زيادة القدرة التفاوضية: كلما رأت دول أكثر مصالح اقتصادية في التجارة مع إيران، زادت تكلفة ممارسة الضغط الثانوي من قبل الولايات المتحدة عليها. إذا كانت إيران تتجر فقط مع عدد قليل من البلدان، فإن قدرتها التفاوضية محدودة. ولكن إذا تشكلت شبكة تشمل روسيا وآسيا الوسطى والقوقاز وموانئ البحر الأسود، فإن الأمر يتجاوز العلاقات الثنائية ليصبح مسألة مصالح مشتركة لعدة دول.

تقليل التركيز على المسارات البحرية التي تسيطر عليها غربياً: تتمتع إيران بإمكانية الوصول إلى المياه المفتوحة في الجنوب، لكن جزءاً كبيراً من التجارة البحرية العالمية يخضع لتأثير القوى البحرية الغربية، وقد خلقت الولايات المتحدة تحديات لإيران في مضيق هرمز. يمكن للتطوير المتزامن للمسارات البرية والسكك الحديدية الشمالية أن يقلل من خطر الاعتماد على مسار بحري واحد. وتكتسب هذه القضية أهمية أكبر في الظروف الحالية، بالتزامن مع زيادة التوترات الجيوسياسية.

زيادة عائدات النقل (الترانزيت): لا ينبغي لإيران أن تفكر فقط في تصدير البضائع. أحد أكبر الفرص هو تحويل إيران إلى بلد عبور ومركز ممرات لأوراسيا. كل قطار أو شاحنة تمر عبر آسيا الوسطى وعبر مسار إيران إلى الخليج الفارسي ستدر دخلاً لإيران، حتى لو لم يكن مالك البضاعة إيرانياً. يمكن لهذا النموذج أن يولد دخلاً ثابتاً نسبياً وطويل الأجل من العملة الأجنبية لإيران.

قيود التعاون مع جورجيا

يجب عدم الوقوع في التفاؤل المفرط عند تحليل العلاقات بين إيران وجورجيا. أولاً، لا تزال جورجيا تحافظ على علاقات وثيقة جداً مع الولايات المتحدة وأوروبا.

ثانياً، تتعرض البنوك والشركات الجورجية لخطر العقوبات الثانوية الأمريكية، ويمثل تهديد العقوبات الثانوية أحد العوائق الرئيسية أمام توسيع العلاقات المالية بين إيران وجورجيا.

ثالثاً، تبليسي حساسة تجاه استخدام أراضيها لأنشطة يمكن أن تؤدي إلى عقوبات أو ضغوط غربية.

رابعاً، تفتقر جورجيا إلى حدود برية مع إيران. ولذلك، للاتصال البري بين إيران وجورجيا، لا بد من المرور عبر مسار أرمينيا أو أذربيجان.

خامساً، تخوض جورجيا نفسها منافسة بين الممرات الإقليمية، وقد ترغب في الموازنة بين الممر الأوسط ومسارات تركيا وروسيا ومسار إيران.

ونتيجة لذلك، لا ينبغي لإيران أن تتوقع أن تصبح جورجيا “حليفة جيوسياسية” بسرعة. والهدف الأكثر واقعية في المرحلة الأولى هو تحويل جورجيا إلى شريك في النقل والتجارة والاقتصاد.

ما هي الإجراءات التي يجب على إيران اتخاذها؟

في هذا الصدد، يمكن أن يكون التأمل في بعض الاقتراحات والقدرات المتاحة مفيداً.

إنشاء مجلس استراتيجي إيراني-جورجي لتطوير الممرات: يجب على إيران إنشاء آلية دائمة بمشاركة وزارات الطرق والاقتصاد والنفط والخارجية والقطاع الخاص لدراسة المشاريع المشتركة.

ربط ثلاث شبكات: يجب أن تكون الاستراتيجية الرئيسية لإيران هي ربط ممر الشمال-الجنوب بمسار الخليج الفارسي – البحر الأسود، ثم شبكة آسيا الوسطى. هذه المسارات الثلاثة، عند ربطها، يمكن أن تجعل إيران واحدة من أهم نقاط العبور في أوراسيا.

استكمال البنية التحتية الداخلية لإيران: بدون استكمال خط سكة حديد رشت – أستارا وتطوير الموانئ الشمالية، لن يكون الحديث عن دور إيران الكبير في ممرات أوراسيا عملياً.

تطوير التجارة بالمقايضة وآليات الدفع القانونية: في إطار القوانين المحلية واللوائح الدولية المعمول بها، يمكن لإيران وجورجيا استخدام طرق دفع وتسوية تقلل من اعتماد التجارة الثنائية على قناة مالية واحدة، وذلك لزيادة تنويع التجارة والشفافية المالية بطريقة توقف عرقلة الغرب لتعاون جورجيا مع إيران.

إنشاء مناطق لوجستية مشتركة: يمكن لإيران إنشاء مراكز لوجستية خاصة للبضائع الجورجية ومن آسيا الوسطى في موانئها الشمالية ونقاط حدودها. في المقابل، يمكن للشركات الإيرانية الاستفادة من قدرات الموانئ الجورجية على البحر الأسود لتصدير بضائعها.

التعاون في قطاع الطاقة: يجب إعطاء الأولوية لمبادلة الغاز والكهرباء والطاقات المتجددة والتعاون الفني. يمكن للغاز الإيراني أن يكون جذاباً لجورجيا من حيث تنويع مصادر واردات الطاقة.

إنشاء اتحاد استشاري بمشاركة إيران – روسيا – آسيا الوسطى – جورجيا: بدلاً من التركيز فقط على العلاقات الثنائية، يجب على إيران البحث عن إنشاء اتحادات استشارية متعددة الأطراف في مجالات مثل السكك الحديدية والموانئ والتخزين والنقل المختلط والطاقة والزراعة وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والصناعات الغذائية.

خاتمة

لا ينبغي تفسير عدم انضمام جورجيا إلى غالبية عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد إيران على أنه مجرد نتيجة للتقارب السياسي بين تبليسي وطهران. فجورجيا في الواقع تتبع سياسة موازنة تحاول فيها، مع الحفاظ على روابطها مع الولايات المتحدة وأوروبا، الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في علاقاتها مع روسيا وإيران ودول المنطقة الأخرى. وتؤكد تقارير الاتحاد الأوروبي الرسمية في عامي 2024 و 2025 هذا المستوى المنخفض من التوافق.

في الوقت نفسه، لم تتجاهل جورجيا جميع متطلبات العقوبات المتعلقة بإيران. ويشير لقاء مسؤولين بنكيين جورجيين مع الممثل الخاص الأمريكي للشؤون الإيرانية في عام 2024 إلى أن تبليسي تحاول من ناحية الحفاظ على تعاونها الاقتصادي مع طهران، ومن ناحية أخرى، تجنب تعرض البنوك والشركات الجورجية للعقوبات الثانوية الأمريكية. ولذلك، فإن أفضل استراتيجية لإيران ستكون محاولة تحويل جورجيا إلى إحدى نقاط شبكة النقل والعبور والشبكة الاقتصادية لأوراسيا.

في هذا الإطار، تكتسب ثلاثة مستويات من التعاون أهمية: المستوى الأول، الثنائي: زيادة التجارة والسياحة والطاقة والخدمات الفنية والاستثمار. المستوى الثاني، الإقليمي: ربط إيران بجورجيا عبر أرمينيا وتطوير مسار الخليج الفارسي – البحر الأسود. المستوى الثالث، الأوراسي: ربط هذا المسار بروسيا وكازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان ودول آسيا الوسطى الأخرى في إطار شبكة الشمال-الجنوب وشبكات الاتصال لبحر قزوين.

إذا تم إنشاء مثل هذه الشبكة، فإن تأثيرها على إيران سيكون أبعد من مجرد زيادة بضع مئات الملايين من الدولارات في التجارة مع جورجيا. يمكن لإيران أن تتحول من بلد تحت ضغط العقوبات إلى نقطة اتصال ضرورية في شبكة تجارة أوراسيا. وفي هذه الحالة، ستظل العقوبات الأمريكية تسبب تكاليف لإيران، لكن قدرة واشنطن على قطع اتصال إيران بالاقتصاد الإقليمي بالكامل ستنخفض بشكل كبير، وهذا أمر ذو أهمية كبيرة في ظل الحرب الاقتصادية. وعندما يؤدي استبعاد إيران من شبكة تجارة أوراسيا إلى تكاليف لدول أخرى أيضاً، فسيشكل ذلك تحدياً خطيراً للسياسات التوسعية الأمريكية.

يمكن لجورجيا، في هذه الاستراتيجية، أن تكون واحدة من الحلقات المهمة في هذه الشبكة بسبب وصولها إلى البحر الأسود، وموقعها الترانزيتي، وعلاقاتها مع أوروبا وآسيا الوسطى، وقربها الجغرافي من روسيا والقوقاز. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه القدرة يعتمد على شرط أساسي واحد: يجب على إيران الارتقاء بعلاقاتها مع جورجيا من مستوى العلاقات السياسية والتجارية الثنائية المحدودة إلى مستوى شراكة ترانزيتية واقتصادية متعددة الأطراف.

في النهاية، يمكن للتحالف بين إيران وروسيا وآسيا الوسطى والقوقاز والبحر الأسود أن يكون أحد أهم أدوات زيادة المرونة الاقتصادية لإيران في مواجهة الضغوط الخارجية، ليس لأنه يلغي العقوبات، بل لأنه يزيد من تكلفة تطبيقها وينوع الخيارات الاقتصادية والجيوسياسية لإيران. وتشير التوجهات الأخيرة نحو تطوير ممر الشمال-الجنوب والمنافسة على ممرات أوراسيا إلى أن هذا التطور ليس مجرد فرضية نظرية، بل يتحول إلى جزء من إعادة تشكيل حقيقي لشبكات التجارة والنقل في أوراسيا.

بالنسبة لإيران، جورجيا هي أكثر من مجرد شريك تجاري. فهذا البلد يمثل جسراً استراتيجياً إلى أوروبا، وممراً إلى آسيا الوسطى، ورمزاً قوياً لإمكانية مواجهة العقوبات الأمريكية والنجاح في تبني سياسة خارجية مستقلة. وتواصل جورجيا، على الرغم من الضغوط الغربية، تعميق علاقاتها مع إيران، ويصبح جنوب القوقاز جبهة جديدة في الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وجمهورية الإسلامية، جبهة تخطو فيها إيران خطوات ثابتة إلى الأمام.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, مهر

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى