قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

كيف قرأت دول العالم رسالة الرئيس الإيراني من منبر الأمم المتحدة؟

في ظل تزامن قضايا الحرب والتفاوض والعقوبات، شكلت كلمات الرئيس الإيراني مسعود بيشكيان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منصة مزدوجة: لم تكن مجرد تعبير عن مواقف طهران الرسمية، بل ساحة طرحت فيها خطابات الطرفين المتنازعين، إيران والولايات المتحدة، أمام الرأي العام العالمي.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، شكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال الحضور الثالث للرئيس الإيراني، مسعود بيشكيان، منبرًا مختلفًا، ليس فقط كمنصة للتعبير عن مواقف طهران الرسمية، بل كساحة تم فيها عرض كلمات الطرفين المتنازعين، إيران والولايات المتحدة، أمام الرأي العام العالمي، قبل تحليلها في العواصم.

وقف بيشكيان خلف هذا المنبر عصر أمس الأربعاء الموافق 23 سبتمبر، في وقت كانت فيه الحرب، والمفاوضات، والعقوبات، والأمن الإقليمي، ومستقبل النظام الدولي، محط اهتمام متزامن. ولهذا السبب، لم تقتصر أهمية كلماته على ما قاله فحسب؛ بل الأهم هو ما استقبله العالم من كلماته، وأي جزء من الرسالة أبرزت وسائل الإعلام والمسؤولون الأجانب.

يكشف فحص هذه الأصداء أن خطاب بيشكيان لا يمكن قراءته كمجرد موقف رسمي لطهران؛ فقد حملت كلماته رسائل حول الحرب والسلام، وعلاقة إيران بالعالم، والصورة التي تسعى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتقديمها عن نفسها في خضم واحدة من أكثر الفترات توترًا في المنطقة.

ماذا استقبل العالم من كلمات بيشكيان؟

كان الانطباع الأول لوسائل الإعلام الأجنبية من خطاب بيشكيان هو مزيج من الثبات والاستعداد للدبلوماسية؛ بمعنى أن طهران من ناحية ترفض تهديدات الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى لا تغلق بالكامل مسار التفاوض. وضعت رويترز في تقريرها عن خطاب الرئيس هذين الجانبين جنبًا إلى جنب، وكتبت أن بيشكيان أعلن أن إيران لن تستسلم للضغوط الأمريكية، لكنها مستعدة للدبلوماسية بهدف إنهاء النزاع. وقد أبرزت الجزيرة في تقييمها نفس هذه النقطة، واصفة خطاب بيشكيان بأنه مزيج من الهجوم الشديد على نهج ترامب والتأكيد على إمكانية التفاوض. لذلك، في القراءة الأجنبية الأولى، لم تُفسر رسالة طهران بأنها «رفض التفاوض»، بل تفاوض دون استسلام ودون قبول لغة التهديد.

لكن الفهم الأهم يتعلق بسبب تزامن اللهجة الحادة لطهران مع استمرار الدبلوماسية. وقد وصف أندرياس كريغ، أستاذ الدراسات الدفاعية في كينجز كوليدج لندن، هذا التناقض الظاهري بأنه جزء من «حرب الروايات» بين طهران وواشنطن. ووفقًا لهذا المحلل، تريد الولايات المتحدة أن تُظهر أي اتفاق محتمل كنتيجة لضغوطها على إيران، بينما تحتاج طهران إلى إثبات أنها قاومت الضغط ودخلت في مفاوضات مع الحفاظ على أوراقها؛ من هذا المنظور، لم يكن خطاب بيشكيان مجرد موقف للجمهور الخارجي، بل محاولة لتشكيل رواية لا يُنظر فيها إلى المفاوضات على أنها تراجع. ويكشف هذا الفهم الأجنبي أحد أهم طبقات كلمات بيشكيان، وهو أنه تعمد عدم الفصل بين «المقاومة» و«الدبلوماسية».

في جزء آخر من التحليلات الأجنبية، انتقل الاهتمام من العلاقة بين طهران وواشنطن إلى مسألة الأمن الإقليمي ومضيق هرمز. وقد أفادت الجزيرة أن بيشكيان، إلى جانب تأكيده على الدبلوماسية، وضع مسألة الحصار البحري وهرمز في مركز مواقف إيران؛ وفي الوقت نفسه، تشير التقارير المتعلقة بمفاوضات نيويورك إلى أن هرمز أحد نقاط الخلاف الرئيسية بين الطرفين. تطالب طهران برفع الضغوط الاقتصادية والحصار، بينما تؤكد واشنطن على حرية الملاحة في هذا الممر المائي.

لذلك، عندما يقول بيشكيان «إما سنبني الأمن معًا، أو سنتحمل انعدام الأمن معًا»، يمكن قراءة هذه الجملة في سياق القضية التي تُطرح الآن في التحليلات الأجنبية كأحد العقبات الرئيسية للأزمة؛ هل يجب تعريف أمن الخليج الفارسي بوجود وضغط قوة خارجية، أم بترتيبات تلعب فيها دول المنطقة الدور الرئيسي؟

حتى قبل الخطاب، لفتت وسائل الإعلام الإقليمية والغربية الانتباه إلى هذا الجانب من رسالة طهران. وقد أفادت صحيفة ذا ناشونال أنه بالتزامن مع زيارة بيشكيان، تحدث مسؤولون أمنيون إيرانيون عن إمكانية الجمع بين التفاوض والاستعداد العسكري، وفي هذا الإطار، طرحوا مسألة الترتيبات الأمنية الإقليمية بمشاركة إيران ودول الخليج الفارسي، بدلاً من الاعتماد فقط على واشنطن.

من ناحية أخرى، كتبت الجزيرة سابقًا عن الحرب بين إيران والولايات المتحدة أن بعض دول مجلس التعاون الخليجي، بالتزامن مع استمرار المخاوف الأمنية، تجري محادثات مع طهران لإصلاح العلاقات وتشكيل تعاونات جديدة. ونتيجة لذلك، يمكن اعتبار جملة بيشكيان حول البناء المشترك للأمن جزءًا من رسالة أوسع، والتي في نظر بعض وسائل الإعلام الأجنبية، لا يقتصر جمهورها على الولايات المتحدة فحسب؛ بل إن دول المنطقة العربية هي أيضًا جمهور لهذه الرسالة.

كان أحد أهم الانطباعات الأجنبية من خطاب بيشكيان هو أن طهران حاولت عدم خلق تناقض بين المقاومة والدبلوماسية. وقد كتبت الغارديان في تحليلها أن بيشكيان، بينما أكد مرارًا على عدم استسلام إيران، أعلن في الوقت نفسه أن طهران مستعدة للحوار والدبلوماسية والمفاوضات دون «لغة القوة».

تكتسب هذه القراءة أهمية أكبر عندما نأخذ في الاعتبار أنه قبل ساعات قليلة من الخطاب، جرى أول اتصال مباشر بين مسؤولين إيرانيين ومبعوثين أمريكيين عبر وسطاء بعد أشهر. ووصف رويترز هذه المحادثات بأنها علامة على إمكانية التقدم، وإن كان ذلك دون تغيير واضح في مواقف الطرفين.

كما أصبح مضيق هرمز في قراءة وسائل الإعلام الأجنبية أحد المفاتيح لفهم رسالة بيشكيان. وأفاد رويترز أن هرمز هو الآن أحد مراكز الخلاف الرئيسية بين طهران وواشنطن، وأكد بيشكيان في الأمم المتحدة أنه لا يمكن توقع أن يستفيد الجميع من هذا الممر المائي بينما تُحرم إيران من الوصول إلى الملاحة.

قدمت الغارديان قراءة مماثلة، وادعت أن بيشكيان في نيويورك سعى إلى حشد دعم جيران إيران العرب لمقترحات طهران بشأن مستقبل هرمز. ونتيجة لذلك، يمكن قراءة جملته «إما سنبني الأمن معًا، أو سنتحمل انعدام الأمن معًا» في قراءة وسائل الإعلام الأجنبية، ليس فقط كموقف بشأن أمن إيران، بل كرسالة للدول العربية في الخليج الفارسي بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.

لماذا كان من الضروري فتح ملف فلسطين؟

كان أحد الأقسام التي برزت في رواية وسائل الإعلام الأجنبية لخطاب بيشكيان هو ربط الأزمة الإيرانية بمسألة فلسطين وأزمة شرعية النظام الدولي.

لم يطرح بيشكيان مسألة فلسطين كموضوع منفصل في السياسة الخارجية الإيرانية فحسب، بل اعتبرها مثالًا على فشل الآليات الدولية في منع معاناة المدنيين، وأكد أنه لا يمكن الحديث عن السلام مع تجاهل فلسطين. وقد ربطت الغارديان في تغطيتها الحية للخطاب هذا الجزء بتحذير بيشكيان من اتساع نطاق الحرب، وأفادت أنه وصف وضع فلسطين بأنه «جرح مفتوح» في ضمير المجتمع الدولي ورمز لفشل الآليات الدولية في منع معاناة المدنيين.

من وجهة نظر بعض وسائل الإعلام التابعة للنظام الصهيوني، تم تفسير هذا الجزء من كلمات بيشكيان في إطار مختلف. ركزت صحيفة جيروزاليم بوست بشكل خاص على انتقاده للازدواجية في التعامل مع القدرات النووية الإيرانية والإسرائيلية؛ حيث قال بيشكيان في الأمم المتحدة إن إيران لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، لكنها لن تتنازل عن حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية، وفي الوقت نفسه طرح تساؤلًا حول سبب امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، بينما تخضع إيران للضغط والعقوبات؟ وقد أبرزت صحيفة تايمز أوف إسرائيل هذا الجزء، وكتبت أن بيشكيان في خطابه أكد على الحفاظ على حق التخصيب والتكنولوجيا النووية السلمية.

تُظهر هذه ردود الأفعال أن جزءًا من خطاب بيشكيان كان نقطة رئيسية في رسالته في قراءة وسائل الإعلام الصهيونية؛ وهي رسالة تسعى طهران من خلالها إلى وضع حد فاصل بين رفض الأسلحة النووية ورفض القيود على البرنامج النووي السلمي.

إلى جانب هذه القضية، وضعت وسائل الإعلام الأمريكية كلمات بيشكيان حول فلسطين في السياق الأوسع للأزمة الإقليمية. وقد أفادت أسوشيتد برس أن حروب الشرق الأوسط ألقت بظلالها على أجواء الجمعية العامة، وأن قضايا مثل الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وغزة، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كانت في مركز محادثات الأمم المتحدة. ووصف لوس أنجلوس تايمز خطاب بيشكيان بأنه خطاب في ظروف حرب، دافع فيه الرئيس الإيراني، إلى جانب الدفاع عن مواقف طهران، عن استمرار النزاعات، وتعطيل الملاحة، وفشل المفاوضات.

من هذا المنظور، لا يمكن اعتبار طرح مسألة فلسطين في خطاب بيشكيان مجرد تكرار لموقف تقليدي؛ بل حاول تحويل فلسطين إلى اختبار لمزاعم المجتمع الدولي بشأن السلام، والقانون الدولي، ودعم المدنيين.

بشكل عام، تُظهر الصدى الخارجي لهذا الجزء من الخطاب أن بيشكيان حاول دفع رسالته على مستويين متزامنين؛ على المستوى الأول، الدفاع عن موقف إيران بشأن الحرب، والبرنامج النووي، والحق في الدفاع، وعلى المستوى الثاني، وضع هذه القضايا في إطار أوسع لأزمة فلسطين والمعايير المزدوجة في تطبيق القانون الدولي.

هنا تكتسب جملته «إما سنبني الأمن معًا، أو سنتحمل انعدام الأمن معًا» معنى أوسع؛ لأنه في رواية بيشكيان، فإن الأمن المستدام للمنطقة ليس مجرد مسألة إيران والولايات المتحدة، وبدون حل مسألة فلسطين وإنهاء ما يعتبره تطبيقًا انتقائيًا للقواعد الدولية، لا يمكن تحقيق سلام مستدام في غرب آسيا.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى