قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

احتجاجات طلابية فرنسية تلوح في الأفق قبيل انتخابات 2027

بدأت احتجاجات طلابية في ضواحي باريس للمطالبة بتحسين الظروف التعليمية، وتفاقمت لتشمل مئات المدارس مع دخول الطلاب والمعلمين في مواجهات مع الشرطة، مما يلقي بظلاله على المشهد السياسي الفرنسي قبيل انتخابات 2027.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، بدأت احتجاجات طلابية في فرنسا قبل نحو عشرة أيام في مدارس ضواحي باريس، للمطالبة بتحسين الظروف التعليمية، ونقص المعلمين، واكتظاظ الفصول الدراسية. وسرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات إلى موجة شاملة، اكتسبت أبعاداً جديدة مع إغلاق مئات المدارس، وانضمام الطلاب والمعلمين، وعنف الشرطة.

تطرح هذه التطورات أسئلة حول الأسباب التي أدت إلى توسع احتجاج تعليمي بهذا الشكل في فترة قصيرة. وهل تقتصر جذور هذه الاحتجاجات على وضع المدارس والقيود المالية، أم أن ضغوطاً اقتصادية واجتماعية أوسع كان لها دور في تشكيلها؟ والأهم من ذلك، ما هو الضغط الذي ستشكله استمرار هذه الاحتجاجات على الحكومة الفرنسية قبيل انتخابات 2027؟

اعتراضات طلابية فرنسية

جذور الاحتجاج: من المدرسة إلى تراكم أزمات فرنسا

لا يمكن اعتبار الاحتجاجات الطلابية في فرنسا رد فعل بسيط على مشاكل المدارس. هذه المطالبات نشأت في سياق ضغوط اقتصادية، وتراجع القوة الشرائية، وقيود مالية، ومخاوف بشأن المستقبل، مما جعل المدرسة نقطة لظهور جزء من الاستياء المتراكم لدى جيل الشباب. الموجة التي بدأت قبل أقل من أسبوعين في منطقة باريس، وصلت الآن إلى أكثر من ألف مدرسة ثانوية، وتم إغلاق مئات المدارس أو تعطيلها.

تأثير الأزمات الاقتصادية على التعليم

على المستوى المباشر، ينتقد الطلاب الفصول المكتظة التي تضم ما بين 32 إلى 35 طالباً، ونقص المعلمين والموظفين التعليميين، وغياب البدائل للمعلمين الغائبين، وطول ساعات الدراسة، وسوء حالة المباني المدرسية.

وفقاً لإحصائيات وزارة التعليم الفرنسية، في العام الدراسي 2024-2025، لم يتم فعلياً عقد ما يقرب من 10% من ساعات التدريس في المدارس الثانوية الحكومية، وقد ضاعت جزء من هذه الساعات بسبب عدم القدرة على توفير معلم بديل. وبالتالي، فإن الاحتجاجات ليست مجرد نتاج تحريض سياسي أو موجة شوارع مفاجئة، بل تقف وراءها مجموعة من المشاكل المتراكمة في النظام التعليمي.

نقص المعلمين في فرنسا

ومع ذلك، فإن الأزمة التعليمية نفسها هي جزء من ضغوط أكبر تواجهها الاقتصاد والميزانية الفرنسية. تسعى الحكومة لزيادة اعتمادات التعليم الوطني إلى 65.5 مليار يورو بحلول عام 2027، وفي الوقت نفسه، تسعى لتوفير حوالي 43 مليار يورو لضبط العجز المالي، وذلك في ظل تزايد تكاليف تمويل الديون ومطالب متزايدة لتغطية نفقات الدفاع والأمن. وبهذا، فإن حتى زيادة ميزانية التعليم تقع ضمن إطار ضائقة مالية أوسع.

بالإضافة إلى الضغوط الداخلية، انتقلت الأزمات الخارجية أيضاً بشكل مباشر إلى الاقتصاد والحياة اليومية للفرنسيين. الحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، لا تزال تفرض تكاليف أمنية واقتصادية على أوروبا، وأزمة الشرق الأوسط واضطراب حركة الطاقة من مضيق هرمز فرضتا ضغطاً جديداً على أسعار الوقود والطاقة؛ حيث ربط ماكرون ارتفاع أسعار الطاقة بتداعيات هذه الأزمات.

في ظل هذه الظروف، نشأت الاحتجاجات الطلابية عند تقاطع المشاكل التعليمية، والضغوط المعيشية، والقيود المالية، وتداعيات الأزمات الخارجية، مما قلل من قدرة الحكومة على المضي قدماً في الإصلاحات الداخلية وإدارة الأزمات الخارجية في آن واحد.

دراسة جدوى انتشار وزيادة تكاليف الحكم

السؤال الأهم بعد توسع الاحتجاجات هو: هل ستبقى الموجة الحالية على مستوى المدارس الثانوية، أم يمكن أن تنتشر إلى فئات اجتماعية أخرى؟

في الرد على ذلك، يجب القول إن دخول الجامعات والمعلمين وبعض النقابات العمالية إلى الساحة الاحتجاجية، إلى جانب الدعوات الجديدة لمواصلة التجمعات، يشير إلى وجود إمكانية لربط المطالب التعليمية بالمطالب المعيشية والاجتماعية. ومع ذلك، لا يزال الفرق بين الاحتجاجات المتفرقة وتشكيل حركة اجتماعية شاملة كبيراً، وستكون عوامل مثل استمرارية المشاركة، ووجود شبكة تنظيمية، وربط مطالب المجموعات المختلفة، ذات أهمية في تحديد مسارها.

مستقبل الاحتجاجات الطلابية

في هذا السياق، يمكن لرد فعل الحكومة أن يؤثر على استمرار الاحتجاجات أو احتوائها. التعامل الأمني والشرطي مع تجمعات الطلاب، خاصة عندما ينجر المراهقون إلى مواجهات مع الشرطة، يمكن أن يحول نطاق المطالب من المسائل التعليمية إلى قضايا مثل حرية الاحتجاج وطريقة تعامل الحكومة مع الاستياء الاجتماعي.

في المقابل، فإن الاستجابة المالية البحتة لن تكون كافية بالضرورة للمحتجين الذين يعتبرون مشاكلهم جزءاً من أزمة أوسع؛ وبالتالي، تواجه الحكومة خيارات صعبة بين منح تنازلات اجتماعية، والقيود المالية، والسيطرة الأمنية.

من ناحية أخرى، إذا ارتبطت الاحتجاجات بالمعلمين وموظفي الخدمات العامة وأولياء الأمور والفئات العمالية، فإن الضغط على الحكومة سيتضاعف؛ لأنه في هذه الحالة، لن يكون الأمر مجرد إغلاق أو تعطيل للمدارس، بل سيؤثر أيضاً على إدارة شؤون البلاد اليومية.

فرنسا لديها تجربة سابقة في الاحتجاجات الاجتماعية الواسعة والإضرابات الشاملة، ولذلك، فإن ربط المطالب الجديدة بالاستياءات القائمة يمكن أن يزيد من تكاليف الحكم. وفي مثل هذه الظروف، ستضطر الحكومة إلى تخصيص جزء من طاقتها السياسية لإدارة الاحتجاجات، بينما يتعين عليها في الوقت نفسه إدارة الميزانية والاقتصاد والأزمات الخارجية.

ومع ذلك، لا يمكن اعتبار انتشار الاحتجاجات أمراً مؤكداً. يمكن للاحتجاجات الطلابية أن تتحول إلى موجة اجتماعية مستقرة عندما يتم إنشاء رابط بين مطالب المجموعات المختلفة ويتجاوز الاحتجاج مستوى القضايا التعليمية. بخلاف ذلك، قد تتراجع نطاقاتها مع إعادة فتح المدارس، وتقديم بعض التنازلات، أو تخفيف حدة المواجهات.

لذلك، فإن النقطة الحاسمة في الأيام القادمة لن تكون فقط عدد المدارس المحتجة، بل مدى قدرة هذه الاحتجاجات على خلق تحالف اجتماعي حول المطالب المشتركة.

احتجاجات طلابية في ظل انتخابات 2027

تحدث الاحتجاجات الحالية في وقت دخلت فيه فرنسا عملياً المرحلة التمهيدية للانتخابات؛ حيث ستجرى الانتخابات الرئاسية لعام 2027 في 18 أبريل و 2 مايو (29 ربيع الأول و 12 ربيع الآخر 1406)، وماكرون غير مؤهل للترشح مجدداً. لذلك، فإن المسألة ليست مجرد رد فعل الحكومة الحالية على الاحتجاجات؛ كل أزمة اجتماعية يمكن أن تتحول إلى موضوع لتحديد الإرث السياسي لحكومة ماكرون وتشكيل أجندة الرئيس القادم.

الجانب الجديد في الأمر هو أن الاحتجاجات الطلابية يمكن أن تربط بين معادلة السياسة الداخلية والخارجية لفرنسا. زيادة تكاليف الطاقة، وأزمة مضيق هرمز، واستمرار الحرب في أوكرانيا، لم تعد مجرد قضايا دبلوماسية، بل ارتبطت بشكل مباشر بتكاليف المعيشة والميزانية العامة وأولويات الحكومة.

وقد ركز ماكرون في الاجتماع الأخير مع الأحزاب على الآثار المباشرة للتطورات الدولية على حياة الفرنسيين، وكلف الحكومة بضمان إمدادات الطاقة وتخفيف الضغط الناتج عن ارتفاع الأسعار. لذلك، في الانتخابات القادمة، يمكن أن يناقش موضوع تخصيص فرنسا لمواردها بين الدفاع والالتزامات الخارجية وإدارة الأزمات الدولية، جنباً إلى جنب مع قضايا مثل التعليم والمعيشة.

الانتخابات الفرنسية وتأثير الاحتجاجات

من ناحية أخرى، دخلت الاحتجاجات بالفعل في المنافسة السياسية، وهذا يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الاستقطاب الانتخابي. اتهمت الحكومة اليسار المتطرف بتأجيج الاحتجاجات، بينما نفى هذا التيار هذا الاتهام؛ في المقابل، يحاول اليساريون تقديم أنفسهم كمدافعين عن مطالب جيل الشباب.

في الوقت نفسه، أظهر استطلاع رأي نُشر في 28 سبتمبر (29 شهریور هذا العام) أن المنافسة الرئاسية المستقبلية قد انحصرت بالفعل بين قطبي اليمين واليسار المتطرف. هذا الوضع لا يعني نتيجة حاسمة للانتخابات، ولكنه يشير إلى أن الاحتجاجات الاجتماعية يمكن أن يعاد تعريفها بسرعة في إطار المنافسة السياسية.

في نهاية المطاف، تكمن أهمية الاحتجاجات الطلابية لانتخابات 2027، أكثر من ارتباطها المباشر بتغيير أصوات المراهقين، في تغيير أجندة الناخبين والأحزاب. جزء من المحتجين لم يصلوا بعد إلى سن التصويت، لكن مطالبهم المتعلقة بالتعليم والخدمات العامة يمكن أن تؤثر على العائلات والمعلمين والفئات الاجتماعية الأخرى.

من وجهة نظر المراقبين، إذا استمرت الأزمة، سيضطر السياسيون إلى اتخاذ موقف أوضح بشأن العلاقة بين التكاليف الخارجية، والطاقة، والدفاع، والديون، والخدمات العامة. وبهذه الطريقة، يمكن للاحتجاجات الطلابية أن تنتقل من قضية نقابية إلى رمز للسؤال الأكبر حول أولويات فرنسا في السنوات القادمة؛ سؤال ستؤثر إجابته على كل من السياسة الداخلية والتوجه الخارجي للحكومة القادمة.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر للأنباء

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى