انسداد سیاسی در اراضی اشغالی و تلاش نتانیاهو برای خرید زمان

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، لم تؤدِ الانتخابات البرلمانية في الكيان الصهيوني إلى حل الأزمة السياسية، بل أسفرت عن تعميق الفجوات الداخلية وتعقيد مسار تشكيل الحكومة. ولم تتمكن أي من الكتلتين الرئيسيتين من الحصول على أغلبية واحد وستين مقعداً من إجمالي مائة وعشرين مقعداً في الكنيست، مما يضع الأراضي المحتلة مرة أخرى أمام أفق من الشلل السياسي المستمر لأسابيع أو حتى أشهر.
ويتجاوز هذا الحدث الخلاف البرلماني العادي أو المنافسة الحزبية على السلطة، ليؤكد تآكل الانسجام السياسي داخل منظومة الحكم في الكيان الصهيوني؛ وهي بنية تعاني خلال السنوات الأخيرة من تحديات غير مسبوقة تحت وطأة الضغوط الأمنية والإخفاقات الاستراتيجية والتوترات الأيديولوجية والاستياء الاجتماعي.
ويواجه بنيامين نتانیاهو، بوصفه رئيساً للوزراء دأب لسنوات على هندسة السياسة الإسرائيلية حول مصالحه الشخصية، إحدى أثقل وأعقد مراحل حياته السياسية. ورغم استمراره في الاستفادة من ميزة تولي منصبه كرئيس وزراء مؤقت، فإن نتائج الانتخابات تثبت أن مجرد الحفاظ على السلطة بات أمراً معقداً ومكلفاً للغاية.
وطرحت وسائل الإعلام أربعة سيناريوهات محتملة لتشكيل الحكومة الجديدة في الأراضي المحتلة، يواجه كل منها عقبات سياسية وأيديولوجية جدية.
ويتعلق الخيار الأول بتشكيل حكومة يقودها معارضو نتانیاهو. وتحتاج هذه الكتلة بقيادة غادي آيزنكوت إلى مساعدة الأحزاب العربية لتحقيق الأغلبية البرلمانية، في حين ترفض الأحزاب اليمينية داخل هذا التكتل، بما في ذلك تيارات نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، مشاركة الأحزاب العربية في بنية الحكومة.
ويعكس هذا التناقض عمق الأزمة داخل معسكر خصوم نتانیاهو؛ فهذا التيار، ورغم اتفاقه على رفض رئيس الوزراء الحالي، لم يتوصل إلى إجماع حول شكل وشخصية الحكومة البديلة، ولا يعتبر مناهضة نتانیاهو استراتيجية سياسية مشتركة كافية.
وأثبتت تجربة الحكومة الائتلافية لعام ألفين وواحد وعشرين أن اتحاد الأحزاب العربية واليهودية لإسقاط نتانیاهو دون اتفاق جذري ومستدام لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار سياسي، حيث انهارت تلك الحكومة بعد نحو عام واحد.
ويتمثل السيناريو الثاني في تأسيس حكومة وحدة وطنية تضم حزب الليكود وطيفاً من المعارضة. ورغم أن هكذا حكومة قد تمثل مخرجاً رقمياً من المأزق، إلا أن عقباتها الرئيسية تتمثل في الخلافات العميقة بين الأحزاب بشأن المستقبل السياسي لنتانیاهو واستمرار وجود التيارات المتطرفة في السلطة.
ومن المرجح أن نتانیاهو مستعد للابتعاد عن إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي والشخصية المتطرفة في الحكومة، لكنه لا يرغب في إقصاء بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية والتيارات الدينية المتشددة. وفي المقابل، أعلن آيزنكوت صراحة حتى الآن معارضته للانضمام إلى حكومة يرأسها نتانیاهو.
ويؤكد هذا الأفق أن تشكيل حكومة جامعة لن يقدر على تسوية التصدعات الأساسية في البنية السياسية للاحتلال.
ويتضمن الخيار الثالث مساعي نتانیاهو لاستقطاب نواب منشقين عن الأحزاب المنافسة. ومع ذلك، ونظراً لمعارضة قادة معسكر المعارضة الصريحة وابتعاد ائتلاف نتانیاهو بفارق ثمانية مقاعد عن الأغلبية البرلمانية، يبدو هذا الفرض بعيد المنال.
وفي ظل تضيق الخيارات الائتلافية لنتانیاهو، فإنه يحتاج إلى الوقت أكثر من أي وقت مضى. وهو يدير الشؤون التنفيذية بوصفه رئيساً للوزراء بالوكالة، ويستطيع توظيف إطالة إجراءات تشكيل الحكومة للدفاع عن موقعه السياسي.
ووفقاً للآلية السياسية للكيان الصهيوني، يكلف رئيس الكيان بعد التشاور مع قادة الكتل البرلمانية أحد المرشحين بتشكيل الحكومة. ويمتلك المرشح الأول مهلة ثانية قدرها ثمانية وعشرون يوماً يمكن تمديدها أربعة عشر يوماً إضافياً؛ وإذا فشل، تبدأ عملية تسمية مرشحين آخرين.
وإذا بقيت هذه المحاولات بلا نتائج، يتم إدراج إجراء انتخابات جديدة على جدول الأعمال؛ وهو سيناريو يضمن استمرار الأزمة السياسية لأشهر مقبلة.
ويعد السيناريو الرابع، وفقاً للتقارير، الأرجح وقوعاً ويتعلق بتجديد الانتخابات. وحال تحقق هذا السيناريو، سيضطر الصهاينة للاستعداد للانتخابات البرلمانية السابعة خلال ثمانية أعوام فحسب.
ولا يعكس هذا التكرار السريع للانتخابات عجز الأحزاب عن تقاسم السلطة فحسب، بل يعد مؤشراً على خلل ممنهج في إنتاج الاستقرار السياسي داخل بنية الكيان الصهيوني.
فالكيان الذي طالما سعى لترسيخ صورة قوية ومنسجمة ومتفوقة، بات عاجزاً عن تأسيس حكومة مستقرة. وتكشف هذه الأزمة، إلى جانب التوترات الداخلية حول مستقبل نتانیاهو ومكانة الأحزاب الدينية ودور الأحزاب العربية ومناهج التيارات المتطرفة، عمق التصدعات الاجتماعية والبيكلية للاحتلال.
ومع ذلك، قد تصب إطالة أمد تشكيل الحكومة في مصلحة نتانیاهو. ففشل آيزنكوت في تشكيل الحكومة أو حتى إخفاق الجهود المستقبلية وتنظيم انتخابات جديدة قد يهيئ البيئة لعودة نتانیاهو إلى مركز المعادلات وتمديد ولايته كرئيس وزراء مؤقت.
وعلى الرغم من ذلك، لا يعني البقاء في سدة الحكم تجاوز الأزمة، ولن يستطيع موقع رئيس الوزراء بالوكالة التعويض عن الفشل في إنجاز ائتلاف مستدام أو نزع الشرعية السياسية الناجم عن تكرار الانتخابات.
وتمتد جذور أزمة نتانیاهو إلى أبعاد تتجاوز مصير فرد واحد، ولا ينبغي اختزالها في المواجهة بين نتانیاهو وآيزنكوت فحسب؛ بل هي مسألة جذرية تقف فيها تضارب المصالح والخلافات السياسية والانقسامات الاجتماعية حائلاً دون تشكيل الحكومة.
وحتى بافتراض تنحي نتانیاهو وحلول شخصية أخرى مكانه، فلن تحل المشكلات الاستراتيجية للكيان الصهيوني؛ فالنزاعات المتعلقة بالعقائد الأمنية ومستقبل فلسطين والعلاقات مع الأحزاب العربية ووزن التيارات المتطرفة وكيفية مواجهة تطورات المنطقة لا تُحسم بمجرد تغيير رئيس الوزراء.
وفي الختام، أثبتت التطورات الانتخابات أن نتانیاهو، وحتى لو تجاوز هذا المأزق، لن يكون قادراً بعد الآن على الادعاء بأن الهيكل السياسي الإسرائيلي يتمتع بالاستقرار والانسجام، إذ تحولت الأزمة الراهنة من إطار المنافسات الانتخابية إلى تحدٍ بنيوي يضرب عمق حكم هذا الكيان.
