قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

معضلة ترامپ قبيل الانتخابات النصفية طريق مسدود بين التصعيد والاتفاق مع إيران

يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تناقضاً واضحاً قُبيل الانتخابات النصفية بين التهديدات العسكرية ومحاولات إظهار الرغبة في التوصل إلى اتفاق مع طهران وسط أزمة ثقة عميقة.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، يواجه نهج دونالد ترامب حيال إيران قُبيل الانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر تناقضاً صارخاً، حيث يترافق استمرار التهديدات العسكرية وممارسة الضغوط مع إعلانه المتكرر عن رغبته في إبرام اتفاق. ويأتي هذا النهج المزدوج في وقت أدى فيه الانسحاب الأحادي الجانب للإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي والاعتداءات العسكرية أثناء المفاوضات إلى تقويض مصداقية الدبلوماسية الأمريكية بشكل بالغ.

ويتمثل السؤال الجوهري في ما إذا كان جهاز السياسة الخارجية الأمريكي يسعى حصراً لتحقيق مكسب انتخابي يستند إلى التزامات ثنائية، أم إنه ينوية تحويل الحوار إلى أداة لتمرير سياسة الضغوط وفرض الإرادة الأحادية.

وتشير قراءة التطورات إلى أن الرئيس الأمريكي ينتهج مساراً يمزج بين التهديد والحسابات الانتخابية. فخلال الأسابيع الماضية، ادعى أنه لن يشن هجوماً على إيران قبل موعد الانتخابات، ملوحاً في الوقت ذاته بإمكانية الحوار مع طهران، دون أن يستبعد الخيار العسكري مرحلة ما بعد الانتخابات.

وعلى الرغم من تكرار الحديث عن الاستعداد للتسوية، لم يقدم ترامب حتى الآن خطة واضحة لمعالم الاتفاق المنشود، ولم يوضح ما الذي سيقدمه للجانب الإيراني مقابل المطالب الأمريكية، بل جاءت هذه الدعوات مقترنة بتهديدات عسكرية متكررة.

وترتبط توقيتات هذه التصريحات ارتباطاً وثيقاً بالمعترك السياسي الداخلي في الولايات المتحدة. ووفقاً لتقرير وكالة رويترز الصادر الشهر الماضي أيلول/سبتمبر، أبدى عدد من كبار مستشاري ترامب خشيتهم من أن يؤدي استمرار النزاع مع إيران واعتداءات واشنطن إلى الإضرار بحظوظ الحزب الجمهوري في الانتخابات، مطالبين بتحجيم نطاق المواجهات.

وتظهر البيانات الواردة في التقرير ذاته أن واحد وثلاثين بالمائة فقط من المواطنين الأمريكيين كانوا يؤيدون الحرب بينما عارضها ثلاثة وستون بالمائة، في حين أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى تأجيج استياء الناخبين. وفي هذا السياق، أكد مسؤول بارز في البيت الأبيض أن الإدارة مستمرة في الضغط على إيران لكن شهر تشرين الثاني/نوفمبر يظل الأولوية.

إلى ذلك، أفادت وكالة الأسوشيتد برس مؤخراً بأن المسؤولين الأمريكيين أبلغوا بعض دول المنطقة باحتمال استئناف الهجمات عقب الانتخابات وتداعيات الرد الإيراني المقابل، في وقت لا يزال فيه قرار ترامب النهائي يلفه الغموض.

وتعكس هذه المعطيات أن واشنطن لم تُسقط الخيار العسكري من حساباتها ولم تحول الدبلوماسية إلى مسار مستدام، مما يثير شكوكاً عميقة حول ما إذا كانت الدبلوماسية أداة فعلية لتسوية الخلافات أم مجرد تكتيك لإدارة الأزمات لحين تجاوز العقبات الانتخابية.

ويعد التصدع بين الدعوات للمفاوضات والأداء الميداني لواشنطن أحد أبرز أسباب غياب الثقة بسياسة إدارة ترامب الخارجية؛ فتاريخ الانسحاب الأحادي من الاتفاقات الدولية وفرض العقوبات الواسعة واستخدام القوة قد نسف بأكمله أسس الادعاءات الدبلوماسية.

وقد تجلى هذا التناقض بوضوح خلال جولات المفاوضات النووية العام الماضي، حين أجرت إيران والولايات المتحدة جولات حوار عدة بوساطة عُمانية، لتباشر الكيان الصهيوني عدوانها على إيران وتلتحق واشنطن بهذا الهجوم.

وعلاوة على ذلك، وبعد يومين فقط من الجولة الثالثة لمفاوضات جنيف التي شهدت مؤشرات إيجابية نحو التقدم، انطلقت الاعتداءات العسكرية المشتركة بين أمريكا والكيان الصهيوني. وأعرب وزير الخارجية العماني بصفته وسيطاً عن أسفه لهذا التطور مؤكداً أن مناخ الاتفاق كان مهيئاً.

وتضرب جذور هذه الريبة في عمق التاريخ؛ ففي أيار/مايو ٢٠١٨، انسحب ترامب خلال ولايته الرئاسية الأولى بصورة أحادية من الاتفاق النووي متعدد الأطراف والمعتمد من قبل مجلس الأمن الدولي، ليؤكد عبر إعادة فرض العقوبات أن المعاهدات الدولية لا تشكل ضمانة بوجه تقلبات القرارات الأمريكية.

ومالم تقدم الولايات المتحدة ضمانات موثوقة لالتزاماتها وتكف عن سياسة الضغط والعدوان، فلن تسهم دعوات الحوار في تهيئة المناخ المواتي لبناء الثقة والوصول إلى تسوية مستدامة.

ولا بد من تتبع التناقض بين التهديد والتفاوض في الميدان العملي أيضاً؛ إذ تجاوزت أهداف واشنطن الأولية من الضربات العدوانية على إيران حدود اضعاف القدرات العسكرية لتطمل إلى محاور أخرى كتدمير البرنامج الصاروخي ونزع السلاح النووي وتغيير الهيكل السياسي.

غير أن تقييم معهد ستيمسون يبين أن الولايات المتحدة لم تبلغ غاياتها المرجوة وتحول تركيز عملياتها العسكرية نحو تأمين فتح مضيق هرمز، وهو هدف لم يكن يمثل ضرورة ملحة قبل اندلاع الحرب.

وأضحى مضيق هرمز اليوم عنصراً محورياً في معادلات القوة المستجدة، وفشلت واشنطن رغم تكبدها خسائر باهظة في توفير أمن مستدام للملاحة البحرية. وفي المقابل، لم يفلح إغلاق الموانئ الإيرانية في دفع طهران نحو الاستسلام أو إنهاء المواجهة.

وعلى الصعيد العسكري، نقلت وكالة الأسوشيتد برس في تقرير نشرته مطلع الشهر الجاري تشرين الثاني/نوفمبر، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية ومصادر إقليمية، تعرض معدات ومنشآت تقع في ست وعشرين قاعدة عسكرية أمريكية لأضرار بالغة نتيجة أكثر من مئة وخمس عشرة غارة بالمسيرات والصواريخ.

وبموجب هذا التقرير، وإلى جانب الأضرار التي لحقت بالرادارات وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات والبنى التحتية، اضطرت الولايات المتحدة إلى سحب جزء من عتادها العسكري من المنطقة. كما تفيد تقارير الكونغرس الأمريكي بارتفاع تكاليف العمليات العسكرية حتى مطلع آب/أغسطس إلى نحو ثمانية وثلاثين مليار دولار ومواجهة القوات الأمريكية عجزاً في مخزونات الذخائر وصعوبات في تعويضها.

ولا شك أن الضغوط الاقتصادية والحصار البحري ألحقا أضراراً بإ إيران، لكنهما أخفقا في تحقيق هدف انهيار البلاد أو فرض الشروط الأمريكية. وتتمثل المشكلة الكبرى للولايات المتحدة في كيفية تحويل الضغوط إلى مكاسب سياسية بينما تنعكس استمرارية هذا الصراع بتكاليف باهظة على واشنطن وحلفائها.

لذا يتعين النظر إلى إصرار ترامب على التفاوض باعتباره مسعى لتعديل هذه المعادلة. فقد استطاعت طهران، بالاستناد إلى قدراتها الردعية وتعزيز بنيتها الاقتصادية وموقعها الجيوسياسي، إحباط مساعي فرض الإرادة الأحادية، ولن يتحقق الاتفاق المستدام إلا باعتراف واشنطن بالحقائق الجديدة للقوة والمصالح الأمنية الإيرانية.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء, وكالة مهر للأنباء, وكالة رويترز, وكالة الأسوشيتد برس

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى