حزب الله يفاجئ الاحتلال بمسيرات ‘FPV’ في الهجمات الليلية
![[object Object] /حزب الله , مسيرات , الاحتلال الإسرائيلي , جنوب لبنان , تكنولوجيا عسكرية](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/06/webangah-021f493b5bee66fe0a24919a96ec27c03a94d30457bbaa4090f9cc623888a74a.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التطورات الأخيرة في جنوب لبنان تؤكد أن حزب الله لم يكتفِ بالحفاظ على جزء كبير من قدراته العسكرية والتشغيلية بعد الحروب الأخيرة، بل وصل في بعض المجالات إلى مستوى من الابتكار والتكيف التكتيكي أثار قلقاً جدياً لدى قادة جيش النظام الصهيوني. ويُعتبر تقرير صحيفة “يديعوت أحرونوت” الصهيونية بشأن الهجمات الليلية بالمسيرات واعترافها بمقتل جنديين إسرائيليين مؤشراً على اتجاه أعمق في موازين القوى بين المقاومة اللبنانية وجيش الاحتلال.
كسر صورة التفوق التكنولوجي والمعلوماتي للنظام الصهيوني
لسنوات، سعى النظام الصهيوني إلى تقديم صورة للتفوق التكنولوجي والمعلوماتي المطلق في ساحة المعركة. من وجهة نظر القادة الإسرائيليين، كان السيطرة على الأجواء والتفوق المعلوماتي والقدرة على الاستطلاع الليلي من أهم نقاط قوة جيش هذا الكيان. ومع ذلك، تظهر الأحداث الأخيرة أن المقاومة اللبنانية نجحت في تحدي جزء من هذه المزايا.
ما جذب انتباه المحللين العسكريين أكثر من غيره ليس مجرد استخدام مسيرات “FPV”. فقد عُرفت هذه الأنواع من المسيرات في السنوات الأخيرة في حرب أوكرانيا وبعض الصراعات الأخرى كسلاح رخيص ورشيق وفعال. النقطة المهمة هي أن حزب الله تمكن من تكييف هذه التكنولوجيا البسيطة نسبياً مع ظروف ميدان المعركة في جنوب لبنان وجعلها أداة فعالة لضرب القوات الإسرائيلية.
تقرير “يديعوت أحرونوت” يحتوي على اعتراف مهم. كتبت الصحيفة أن جيش الاحتلال كان يعتقد في السابق أن مسيرات “FPV” التابعة لحزب الله تفتقر إلى الأنظمة الحرارية، وبالتالي لا يمكنها تنفيذ عمليات فعالة في الليل. لكن الهجمات الأخيرة طرحت تساؤلات حول هذه الفرضية. والآن، يطرح في الأوساط العسكرية الإسرائيلية احتمال أن يكون حزب الله قد نجح في تجهيز هذه المسيرات بمستشعرات حرارية أو تقنيات مشابهة.
المقاومة تهديد لحرية عمل الصهاينة
في الواقع، نجحت المقاومة اللبنانية في تهديد واحدة من أهم المزايا التكتيكية للجيش الإسرائيلي، وهي حرية العمل ليلاً. في معظم جيوش العالم، تُعتبر العمليات الليلية ميزة مهمة بسبب صعوبة الكشف والاستهداف. ويبدو الآن أن حزب الله بصدد خلق قيود جديدة على الجيش الإسرائيلي في هذا المجال تحديداً.
كما أن اعتراف وسائل الإعلام الصهيونية بـ “المنحنى التعليمي السريع” لحزب الله لافت للنظر. يشير هذا المفهوم في الأدبيات العسكرية إلى قدرة طرف ما على استخلاص الخبرة من ميدان المعركة وتحويلها إلى قدرات جديدة. بعبارة أخرى، لا يقتصر دور حزب الله على استخدام المعدات الموجودة، بل يستفيد من كل مرحلة من مراحل الاشتباك لتطوير قدراته.
هذه الخاصية كانت واحدة من أهم نقاط قوة المقاومة اللبنانية في العقدين الأخيرين. من حرب الـ 33 يوماً في عام 2006 إلى معارك سوريا ثم المواجهات الأخيرة مع النظام الصهيوني، أظهر حزب الله دائماً أنه ليس حركة جامدة. فالتجارب الميدانية تتحول بسرعة إلى معرفة تشغيلية، وهذه المعرفة تُستخدم بدورها في الهيكل القتالي للمقاومة.
حزب الله، لا يزال قوياً
على هذا الأساس، يواجه الجيش الإسرائيلي اليوم ظاهرة لا تمثل مجرد مجموعة مسلحة تقليدية. لقد تحول حزب الله على مدى السنوات الماضية إلى منظمة تمتلك مزيجاً من القدرات الاستخباراتية، العمليات الخاصة، الحرب الإلكترونية، الصواريخ الدقيقة، وحدات المسيرات، وشبكة قيادة واسعة. وهذا ما جعل أي تقييم للقوة العسكرية لهذه الحركة يقتصر على أعداد المقاتلين أو حجم الأسلحة، يقدم صورة غير مكتملة.
على الجانب الآخر من الساحة، تعكس ردود فعل الجيش الإسرائيلي حجم القلق القائم. تشير التقارير إلى أن العسكريين الإسرائيليين اضطروا إلى تقليل تحركاتهم ليلاً، واستخدام المزيد من الأغطية الواقية، واللجوء بشكل أوسع إلى أنظمة الحرب الإلكترونية. هذه الإجراءات تدل على أن التهديد الجديد لم يبقَ على المستوى التكتيكي فحسب، بل أثر على أسلوب عمليات القوات الإسرائيلية.
من منظور استراتيجي، تكمن أهمية هذا التطور في أن حزب الله، باستخدام تقنيات بسيطة نسبياً، يفرض تكاليف باهظة على العدو. أحد سمات الحروب غير المتكافئة هو أن الطرف الأضعف من حيث الموارد المالية والمعدات، من خلال المبادرة واستخدام التقنيات منخفضة التكلفة، يقلل من تفوق الطرف الآخر. فقد أنفق الاحتلال مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية على أنظمة الدفاع الصاروخي، ومعدات الاستطلاع، والتقنيات العسكرية المتقدمة. ولكن الآن، أصبحت المسيرات التي تقل تكلفة إنتاجها بكثير مقارنة بالمعدات الإسرائيلية المتقدمة، تشكل تحدياً حقيقياً لجيش هذا الكيان. هذا هو المعادلة التي لطالما كانت محط اهتمام مجموعات المقاومة؛ فرض تكلفة عالية على العدو باستخدام أدوات قليلة التكلفة ومتاحة.
على المستوى السياسي أيضاً، تحمل هذه التطورات رسائل مهمة. فبعد أشهر من الضغط العسكري والسعي لتقييد قدرات حزب الله، تضطر وسائل الإعلام الإسرائيلية الآن إلى الحديث عن التقدم العملياتي للمقاومة. وهذا يشير إلى أنه على عكس بعض التوقعات، لا يزال الهيكل العسكري لحزب الله يتمتع بقدرة على إعادة البناء والتكيف.
في الواقع، أحد أهم مؤشرات القوة في الحروب الحديثة هي القدرة على البقاء والتكيف. قد تمتلك العديد من الجيوش والمجموعات المسلحة معدات متقدمة في بداية النزاع، لكن اللاعبين الناجحين فقط هم من يستطيعون تكييف أنفسهم مع الظروف الجديدة. وما تظهره تقارير وسائل الإعلام الصهيونية اليوم هو تأكيد لهذه الخاصية فيما يتعلق بحزب الله.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن لدخول مسيرات “FPV” إلى ساحة العمليات الليلية أن يكون له عواقب طويلة الأمد على المعادلات الأمنية على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة. إذا اضطر الجيش الإسرائيلي إلى التخلي عن جزء من حريته في العمل ليلاً، فإن ذلك سيؤثر على التخطيط العملياتي، وحركة القوات، وحتى معنويات الجنود.
خلاصة
في النهاية، ما يُشاهد اليوم في جنوب لبنان ليس مجرد منافسة بين طائرة مسيرة ونظام دفاعي. هذه المنافسة هي في الواقع رمز لتقاطع نموذجين مختلفين للحروب؛ من جهة، جيش يعتمد على التقنيات المكلفة والهياكل العسكرية الكلاسيكية، ومن جهة أخرى، حركة مقاومة تسعى، من خلال الابتكار والمرونة والاستفادة من التقنيات الناشئة، إلى تغيير موازين القوى.
اعتراف وسائل الإعلام الإسرائيلية بالقلق من تقدم مسيرات حزب الله يشير إلى أن المقاومة اللبنانية لا تزال واحدة من أهم اللاعبين الأمنيين في المنطقة، وقد نجحت في الحفاظ على جزء من قدرتها على الردع، بل وتعزيزها في بعض المجالات. ولهذا السبب، فإن أي تطور جديد في مجال تقنيات المقاومة القتالية، ليس مجرد إنجاز تكتيكي، بل هو جزء من عملية أوسع لتغيير موازين القوى على الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة؛ عملية يبدو أنها لا تزال في بدايتها.
