فرنسا ولبنان: قلق الثبات أم قلق تراجع النفوذ؟
![[object Object] /فرنسا , لبنان , النظام الصهيوني , حزب الله , اليونيفيل](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/06/webangah-3921edf0f7c7aeaca4d62efe521e0f49a3a981e8b1f398623e04f6fb4dbf98e0.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، في وقت لا تزال فيه لبنان تعاني من تداعيات الاعتداءات التي يشنها النظام الصهيوني، وأزمة اقتصادية خانقة، وضغوط سياسية خارجية، فإن زيارة المبعوث الفرنسي الخاص، جان إيف لودريان، إلى بيروت، أعادت تركيز الأنظار على دور وأهداف باريس في هذا البلد العربي. وبينما تسعى المسؤولون الفرنسيون لوصف وجود بلادهم في لبنان ضمن إطار دعم الاستقرار وإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية، فإن الحقيقة هي أن لبنان بالنسبة لفرنسا ليس مجرد قضية إنسانية أو دبلوماسية، بل هو جزء من منافسة جيوسياسية أوسع تعود جذورها إلى حقبة الاستعمار.
وقد أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن النفوذ التقليدي لفرنسا في لبنان يتراجع تدريجيًا. في المقابل، سعى كل من الولايات المتحدة وبعض اللاعبين الإقليميين للعب دور أكثر حسمًا في المعادلات السياسية والأمنية لهذا البلد. وفي ظل هذه الظروف، تخشى باريس فقدان مكانتها التاريخية في بلد لطالما اعتُبر أحد أهم مجالات نفوذها في العالم العربي لعقود.
إرث الاستعمار: جذور النفوذ الفرنسي في لبنان
لفهم السلوك الفرنسي الحالي في لبنان، يتعين العودة إلى الماضي. فبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، تولت فرنسا، بموجب نظام الانتداب الدولي، السيطرة على لبنان ورسمت حدوده الحالية في عام 1920. وعلى مدى أكثر من عقدين من الوجود الفرنسي المباشر، تشكلت الهياكل السياسية والإدارية والثقافية للبنان على أسس فرنسية.
وخلال هذه السنوات، سعت باريس إلى بناء شبكة من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية الموالية لها في لبنان، وهي شبكة حافظت على نفوذها إلى حد كبير حتى بعد استقلال البلاد. ولهذا السبب، عُرف لبنان لعقود بأنه أهم قاعدة نفوذ لفرنسا في المشرق العربي.
لكن على عكس الروايات الغربية السائدة التي تصور الوجود الفرنسي كعامل تنمية وتحديث للبنان، يرى محللون في المنطقة أن السياسات الاستعمارية الفرنسية ساهمت في تشكيل جزء من الانقسامات السياسية والطائفية الحالية في لبنان. فقد أصبح الهيكل السلطوي الذي تشكل خلال فترة الانتداب لاحقًا أحد عوامل عدم الاستقرار المزمن في هذا البلد.
المقاومة: العقبة الرئيسية أمام المشاريع الخارجية
خلال العقدين الماضيين، شهدت المعادلات اللبنانية تحولات جذرية. وكان أهم عامل في هذه التغييرات هو ظهور وتثبيت مكانة حزب الله كلاعب حاسم في الساحة السياسية والأمنية اللبنانية.
وقد غير انتصار المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي عام 2000، ثم إفشال أهداف تل أبيب في حرب الـ 33 يومًا عام 2006، موازين القوى في لبنان. ومنذ ذلك الحين، لم يعد بإمكان أي قوة خارجية اتخاذ قرارات بشأن مستقبل لبنان دون الأخذ في الاعتبار دور حزب الله.
هذه الحقيقة أدت إلى مواجهة نفوذ الغرب التقليدي في لبنان بقيود جدية. وقد حاولت الولايات المتحدة وفرنسا وبعض حلفائهما الإقليميين مرارًا وتكرارًا الحد من دور المقاومة عبر ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية، لكن هذه المحاولات لم تفلح في تقويض مكانة حزب الله في المعادلات الداخلية اللبنانية.
في الواقع، يُعد هذا التغير في موازين القوى أحد أهم أسباب القلق الفرنسي اليوم. فباريس تدرك جيدًا أن لبنان اليوم يختلف عن لبنان قبل عقود، ولم يعد من الممكن إدارة مسار تطوراته بالاعتماد على شبكات النفوذ التقليدية.
تنافس خفي بين فرنسا والولايات المتحدة
تأتي زيارة المبعوث الفرنسي الخاصة في وقت تلعب فيه واشنطن دورًا أكثر بروزًا في الملف اللبناني. فخلال الأشهر الماضية، لم تقتصر الولايات المتحدة على لعب الدور الرئيسي في المفاوضات المتعلقة بوقف إطلاق النار بين لبنان والنظام الصهيوني، بل سعت أيضًا إلى السيطرة على جزء هام من تطورات لبنان السياسية.
هذا الوضع يثير قلق فرنسا. يعترف العديد من المحللين الغربيين بأن باريس لا ترضى بتحول لبنان إلى مجال نفوذ أمريكي حصري. وعلى الرغم من أن البلدين متفقان في العديد من القضايا الإقليمية، إلا أن هناك تنافسًا خفيًا بينهما في لبنان.
تسعى فرنسا لتقديم نفسها كحلقة وصل بين أوروبا ولبنان والمؤسسات الدولية، لمنع إقصائها الكامل من معادلات مستقبل هذا البلد. بعبارة أخرى، ما يحدث اليوم في لبنان ليس مجرد تنافس دبلوماسي، بل هو جزء من تنافس القوى الغربية للحفاظ على مجالات نفوذها أو توسيعها في شرق المتوسط.
اعتداءات إسرائيل وواقع الميدان اللبناني
أحد التناقضات الصارخة في سياسة فرنسا هو موقفها تجاه الاعتداءات المتكررة للنظام الصهيوني على لبنان. فبينما يتحدث المسؤولون الفرنسيون مرارًا عن ضرورة الاستقرار في لبنان، لم يتمكنوا عمليًا من ممارسة ضغط فعال على تل أبيب لوقف الهجمات العسكرية.
في الأشهر الأخيرة، استشهد أو نزح آلاف اللبنانيين جراء هجمات النظام الصهيوني، وتضررت مساحات واسعة من البنى التحتية في جنوب لبنان. ومع ذلك، اقتصر رد فعل الدول الغربية، بما في ذلك فرنسا، بشكل أساسي على إبداء القلق والدعوة إلى ضبط النفس.
وقد أدى هذا الوضع إلى شك قطاع كبير من الرأي العام اللبناني في ادعاءات الغرب بدعم استقرار هذا البلد وسيادته. فمن وجهة نظر العديد من اللبنانيين، يمثل التهديد الأكبر للأمن القومي ليس المقاومة، بل الاعتداءات المستمرة للنظام الصهيوني والدعم السياسي والعسكري الغربي لهذا النظام.
اليونيفيل: أداة النفوذ الفرنسي الأخيرة
تُعد مشاركة فرنسا الواسعة في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان (اليونيفيل) إحدى أهم الأدوات المتبقية لباريس للحفاظ على وجودها في لبنان. فقد لعبت باريس دورًا هامًا في إدارة وتزويد هذه القوات بالقوات منذ تأسيسها عام 1978.
الآن، وفي ظل غياب اليقين حول مستقبل مهمة اليونيفيل، تسعى فرنسا إلى تصميم آليات جديدة للحفاظ على دورها الأمني في لبنان. وتشير بعض التقارير حتى إلى دراسة خيار إنشاء قوة متعددة الجنسيات جديدة بمشاركة دول غربية.
ومع ذلك، فقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أن أمن لبنان لم يتحقق من خلال القوات الأجنبية، بل من خلال المعادلات الداخلية وقوة الردع للمقاومة. إذا كان جنوب لبنان يقف اليوم في وجه المشاريع التوسعية للنظام الصهيوني، فإن جزءًا كبيرًا من ذلك يعود إلى قوة ردع المقاومة، وهي حقيقة لا يرغب العديد من اللاعبين الغربيين في الاعتراف بها.
الخلاصة
لا يمكن تحليل التحركات الفرنسية الأخيرة في لبنان فقط في إطار المساعدات الإنسانية أو دعم الاستقرار السياسي لهذا البلد. فما يعيد باريس إلى بيروت اليوم هو، قبل كل شيء، القلق من تراجع نفوذها التاريخي في أحد أهم بلدان شرق المتوسط. وتسعى فرنسا للحفاظ على مكانتها في ظل تحول موازين القوى في لبنان خلال العقدين الماضيين، وتحول المقاومة إلى لاعب حاسم في معادلات هذا البلد. من ناحية أخرى، يثير التنافس المتزايد للولايات المتحدة للسيطرة على إدارة الملف اللبناني مخاوف جديدة لباريس.
في النهاية، أظهرت تجارب السنوات الماضية أن أي محاولة خارجية لهندسة مستقبل لبنان دون الأخذ في الاعتبار حقائق الميدان ومكانة المقاومة، ستكون محكومة بالفشل. لبنان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى احترام سيادته الوطنية، وإنهاء اعتداءات النظام الصهيوني، والابتعاد عن التدخلات الخارجية، وهي التدخلات التي كانت خلال العقود الماضية أحد أهم عوامل عدم الاستقرار والأزمات في هذا البلد.
