قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام

بريطانيا في دوامة القيادات: لماذا يضحي السياسيون بأنفسهم؟

أعلن رئيس وزراء بريطانيا استقالته، في ظل انهيار شعبيته وتصاعد التحديات الاقتصادية والسياسية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار القيادي في المملكة المتحدة.

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، أعلن رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، يوم الاثنين استقالته من رئاسة الحكومة، وسرعان ما أعلن منافسه لتولي زعامة الحزب، آندي بورنهام، عن نيته خلافته. وفي هذا السياق، كتبت صحيفة واشنطن بوست أن انسحاب ستارمر لم يكن نتيجة الفضائح السياسية فحسب، بل كان في الأساس بسبب فشله الهيكلي في انتشال بريطانيا من قلب الركود الاقتصادي وتجاهله لوعوده الانتخابية الكبيرة.

وبحسب التقرير، سرعان ما انخفضت شعبية ستارمر على الساحة الداخلية البريطانية، بعد فوز تاريخي وحاسم، إلى أدنى مستوى بين الزعماء الغربيين. وقد نجم هذا الانحدار عن تراجعه السريع في أقل من 3 أشهر عن التزاماته بعدم زيادة ضرائب التأمين الوطني وفرض ضرائب جديدة مثل ضريبة القيمة المضافة على المدارس الخاصة، مما أدى إلى زيادة النفقات الحكومية إلى مستويات غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه، أدى إلى عجز كبير في ميزانية البلاد.

وبدلاً من إزالة البيروقراطية التي تعيق البناء والاستثمار في البلاد، لجأت حكومة ستارمر إلى سياسات تدخلية وصفها الـ واشنطن بوست بأنها “خدع حكومية مشبوهة” لكسب الشعبية المؤقتة. وفي الوقت نفسه الذي يشهد ركوداً اقتصادياً، تضررت شرعية ستارمر بشكل قاتل بعد الكشف عن تجاهله للتحذيرات السابقة بشأن دور “بيتر ماندلسون”، سفير بريطانيا في واشنطن، في قضية جيفري إبستاين المدان بجرائم جنسية.

وفي الوقت نفسه، تحذر صحيفة واشنطن بوست من أن بورنهام، منافس ستارمر، يتبنى نهجاً يميل إلى مزيد من التدخل الحكومي من خلال الدعوة إلى تسعير إلزامي للسلع وتأميم قطاعات الطاقة والمياه، وهو ما قد يواجه رد فعل قوياً وحاسماً من الأسواق المالية.

لماذا تلتهم السياسة البريطانية قادتها؟

في إجابة على سؤال لماذا يتسبب المشهد السياسي البريطاني في سقوط قادته بسرعة، استعرضت صحيفة فايننشال تايمز عدة عوامل في هذا الصدد:

أ: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

جاء انسحاب ستارمر قبل يوم واحد من الذكرى العاشرة لتصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، وهو حدث تسبب في معضلة لوجستية في البلاد وأنشأ سقفاً للتوقعات العامة غير القابلة للتحقق، وجعل الحكومات تقضي نصف عقد في مناقشة شكل العلاقات مع أوروبا بدلاً من حل الأزمات الهيكلية للبلاد.

وفقاً لجيريمي هانت، وزير الخزانة السابق، فإن تأثير بريكست أعمق مما هو متصور، لأنه حرم حزب العمال من قاعدته التقليدية في المناطق الشمالية. من ناحية أخرى، فقد المحافظون أيضاً دعم المناطق الجنوبية الغنية، مما مهد الطريق لظهور تيارات شعبوية بقيادة نايجل فاراج.

يؤكد لوك تريل، خبير الشؤون البريطانية، أن الانقسام في البلاد اليوم لم يعد تقليدياً بين اليمين واليسار، بل تحول إلى تداخل في الآراء يجعل من الصعب إنشاء أي تحالف مستقر، حيث ينقسم المجتمع إلى 60% يريدون “الحفاظ على المؤسسات وتطويرها” و 40% من الناخبين يريدون القضاء على المؤسسات التقليدية.

ب: الأخطاء الفردية

لم ينجح أي رئيس وزراء بريطاني منذ عام 2016 في إدارة التحديات. كاميرون تسبب في استفتاء إشكالي، وتيريزا ماي فقدت سلطتها بانتخابات مبكرة وحملة ضعيفة. فضائح شخصية وتجمعات خلال فترة كوفيد-19 أطاحت بجونسون. ليز تراس تسببت في انهيار السوق بسبب تهورها الاقتصادي، وفشل ريشي سوناك في تقديم هدف مقنع.

وفقاً لتقرير فايننشال تايمز، يمكن أن تُعزى أخطاء ستارمر إلى تقديمه وعوداً غير واقعية وعدم قدرته على اتخاذ قرارات سياسية حاسمة وصعبة، مثل قضية نفقات الدفاع.

وتضيف الصحيفة أن الأزمة الحالية تتعلق بالقيادات التي ارتكبت أخطاء جوهرية وفادحة يمكن أن تؤدي إلى الإطاحة بها في أي فترة زمنية.

ج: الركود الاقتصادي

لم تتعاف بريطانيا من الأزمة المالية، ونموها أبطأ من البلدان الغنية بسبب الحجم الكبير لقطاعها المالي. يعتقد بول جونسون، المدير السابق لمعهد الدراسات المالية، أن الاقتصاد هو المحرك الرئيسي للسياسة، وأن الناخبين سئموا من عدم تحسن مستويات معيشتهم على مدى حوالي 20 عاماً.

ركز رؤساء الوزراء المتتاليون في البلاد على زيادة الإنفاق لمعالجة المشاكل بدلاً من معالجة أسبابها وفرض إصلاحات حقيقية، مما أدى إلى ثبات الدخل وتفاقم أزمة المعيشة الناجمة عن التضخم الشديد منذ عام 2022.

منذ عام 2010، زاد الدين العام البريطاني بوتيرة غير مسبوقة، ليصل إلى ثلاثة أضعاف حصة البلاد من الناتج المحلي الإجمالي. على الرغم من وصول الضرائب إلى مستوى غير مسبوق، يتم إنفاق جنيه إسترليني واحد من كل 12 جنيهاً من إيرادات الحكومة لدفع فوائد الديون، مما يسبب استياءً شعبياً.

د: الاستياء الافتراضي

أحدث ظهور منصات مثل X وفيسبوك تغييرات أساسية في البلاد وحوّل السياسة إلى منتج مخصص بناءً على طلب الناخب. شبّهت صحيفة فايننشال تايمز هذه الظاهرة بـ “ظاهرة نتفليكس”.

وقد ساهم هذا الوضع في ظهور سياسة “التخصيص” والكاريزما الرقمية. لكن هناك مشكلة كبيرة في هذا المجال. فزعماء بريطانيا السياسيون، بهذه الطريقة، يفقدون شعبيتهم بعد اليوم الأول في السلطة، وجذب دعم الناس لهم، بناءً على الشعبية وحدها، أمر صعب.

وتقول الصحيفة إن بورنهام، الذي يكاد يكون من المؤكد أن يخلف ستارمر، يتمتع بشخصية خاصة، ويعود ذلك جزئياً إلى منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي حول كرة القدم.

©‌ وكالة ويبانقاه للأنباء,

قناة وكالة ويبنقاه على تلغرام
زر الذهاب إلى الأعلى