ترامب يسعى لنوبل السلام بسجل حافل بالنزاعات

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن جائزة نوبل للسلام لعام 2026، التي تُمنح لمن يلعب الدور الأكبر في مسار السلام وتقليل العنف، تثير نقاشات حادة، لا سيما مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يعتقد أنه يستحقها. سجل ترامب في السياسة الخارجية لهذا العام حافل بالهجمات العسكرية، والتهديدات باستخدام القوة، والضغوط القصوى، وأزمات متعددة.
لطالما أعلن ترامب في الأشهر الماضية أنه ينبغي أن يحصل على نوبل للسلام لدوره في إنهاء بعض الأزمات. حتى أنه اعترف مؤخراً بأنه غير متأكد من منح لجنة نوبل للجائزة له، لكنه يصر على استحقاقه. هذا الإصرار جعل جائزة نوبل للسلام لهذا العام أحد الموضوعات المثيرة للاهتمام حول رئاسة ترامب.
سجل بعيد عن السلام
لفحص ادعاء ترامب، يجب النظر إلى سجل سياسته الخارجية في عام 2026، والذي لعب فيه استخدام القوة العسكرية والتهديد باستخدامها دوراً مهماً.
في قضية فنزويلا، ألقت القوات الأمريكية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقلته إلى الولايات المتحدة في عملية مباشرة. كان هذا الإجراء أحد أبرز الأمثلة على الاستخدام المباشر للقوة العسكرية من قبل واشنطن في هذا العام، وأثار نقاشات واسعة حول السيادة الوطنية، والتدخل الخارجي، وحدود صلاحيات الولايات المتحدة خارج حدودها.
أظهرت قضية جرينلاند وجهاً آخر لسياسة ترامب الخارجية. فقد تحدث مراراً عن رغبته في السيطرة على الجزيرة، بل وطرح احتمال استخدام القوة كأحد الخيارات. أدت الضغوط السياسية والاقتصادية التي مارستها واشنطن على الدنمارك إلى توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وأحد حلفائها التقليديين.
لكن بين كل هذه القضايا، تحتل إيران مكانة خاصة. في عام 2026، دخلت الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. أدت الهجمات الأمريكية الواسعة على أهداف إيرانية، والعمليات العسكرية في المنطقة، والضغوط على مضيق هرمز، إلى زيادة كبيرة في مستوى التوتر. وقعت هذه التطورات في الوقت الذي كانت فيه إدارة ترامب تتحدث في الوقت نفسه عن المفاوضات والتوصل إلى اتفاق. كما أن الجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة في إيران أظهرت ذروة وحشية ترامب.
لذلك، فإن المسألة ليست فقط أن ترامب يعتبر نفسه مستحقاً لنوبل السلام؛ المسألة الأهم هي الفجوة بين الصورة التي يقدمها عن أدائه والصورة التي وضعتها مجموعة إجراءات إدارته أمام الرأي العام.
إذا كان معيار نوبل للسلام هو السعي لتقليل العنف ومنع الصراعات، فمن الطبيعي أن يثير الاستخدام الواسع للأدوات العسكرية والتهديد باستخدام القوة تساؤلات جدية حول هذا الادعاء.
حادثة العام الماضي والميدالية التي حصل عليها ترامب
ليست هذه المرة الأولى التي يضع فيها ترامب نفسه بالقرب من نوبل للسلام.
في عام 2025، فازت ماريا كورين ماخادو، زعيمة المعارضة الفنزويلية، بجائزة نوبل للسلام. رافق اختيارها اهتماماً كبيراً، وأعرب ترامب مرة أخرى عن استيائه لعدم حصوله على الجائزة. لكن القصة اكتسبت شكلاً غريباً بعد ذلك.
بعد حصولها على الجائزة، في لقاء مع ترامب، قدمت ماخادو ميدالية نوبل الخاصة بها للرئيس الأمريكي. هذا الإجراء جعل اسم ترامب يتصدر مجدداً بجانب نوبل للسلام؛ على الرغم من أن لجنة نوبل أكدت أن لقب الفائز بنوبل والجائزة المتعلقة به غير قابلين للنقل وأن استلام الميدالية لا يعني فوز ترامب.
وبهذا، أصبح ترامب يمتلك ميدالية تعود لفائز بنوبل، لكنه لم يفز بنوبل بنفسه.
فسر بعض المراقبين هذا الحدث على أنه علامة على محاولة ماخادو لكسب دعم سياسي من ترامب؛ خاصة في ظل حاجتها لدعم واشنطن لتغيير الوضع السياسي في فنزويلا.
لكن ترامب لم يترك الأمر. عاد مراراً إلى هذه المسألة وتساءل لماذا لم يحصل على نوبل للسلام رغم الإجراءات التي اتخذها، حسب قوله، لإنهاء الأزمات.
الآن، بعد عام، تكررت القصة؛ مع فارق أن ترامب هذه المرة يعبر عن رغبته في الحصول على نوبل للسلام في ظل سجل سياسة خارجية لحكومته مرتبط بملفات عسكرية وأزمات دولية متعددة.
نوبل للسلام؛ جائزة للحرب أم لإنهاء الحرب؟
من بين الأسماء التي طُرحت في التكهنات الإعلامية حول نوبل للسلام لعام 2026، ظهرت شخصيات ومؤسسات ذات سجل في الأنشطة الإنسانية؛ من البابا ليون الرابع عشر ونشطاء حقوق الأطفال إلى منظمة أطباء بلا حدود، ولجنة حماية الصحفيين، و«غرف الاستجابة للطوارئ في السودان» وهي شبكة من المتطوعين الإغاثيين في البلاد.
القاسم المشترك بين العديد من هذه الخيارات هو العمل المباشر لمساعدة البشر، وتقليل المعاناة الناجمة عن النزاعات، والدفاع عن حقوق المدنيين.
في هذا السياق، يمثل وجود اسم ترامب تناقضاً ملحوظاً. يقدم ترامب نفسه كسياسي استطاع، باستخدام قوة أمريكا، إنهاء بعض الأزمات. لكن منتقديه يقولون إن استخدام الهجمات العسكرية، والتهديدات، والعقوبات، والضغوط القصوى لا يمكن أن يندرج بسهولة ضمن الإطار التقليدي لجائزة السلام.
بالطبع، هناك فرق بين «الحرب لإنهاء الحرب» و«الحرب»، ويجب تقييم دور كل حكومة في خلق الأزمات أو إنهائها بناءً على الأدلة والنتائج الفعلية. ترامب يطرح حجته على هذا الأساس، وهو أن قوته العسكرية وضغطه السياسي يمكن أن يديرا في النهاية إلى دفع الأطراف المقابلة إلى التفاوض.
لكن هذه الحجة نفسها تثير سؤالاً أساسياً: إذا كان استخدام القوة العسكرية والتهديد بالحرب أداة للوصول إلى السلام، فأين هو الخط الفاصل بين سياسة الردع والسياسة الحربية؟
تكمن أهمية الإجابة على هذا السؤال في جائزة نوبل للسلام؛ لأن هذه الجائزة لا يجب أن تُمنح لمجرد من يدعي أنه ساهم في السلام، بل يجب التفريق بين الادعاء والفعل والنتيجة.
غداً، ستعلن لجنة نوبل قرارها. إذا كان اسم ترامب بين الفائزين، فمن المحتمل أن يكون أحد أكثر الاختيارات إثارة للجدل في تاريخ هذه الجائزة. وإذا لم يُذكر اسمه، فسيواجه ترامب مرة أخرى حقيقة أن ادعاء السعي للسلام لا يتوافق بالضرورة مع سجل رئيس جمهورية في مجال السياسة الخارجية.
في النهاية، المسألة الرئيسية ليست ترامب فقط. المسألة هي ما إذا كان في عالم اليوم، يجب أن تُمنح جائزة نوبل للسلام لمن يمتلك أكبر قوة لفرض السلام، أم لمن يسعون، دون الاعتماد على القوة العسكرية، إلى إنهاء العنف.
