اليمن ومضيق باب المندب.. قوة تتجاوز الصواريخ والطائرات المسيرة
![[object Object] /اليمن , باب المندب , أنصار الله , عبد الملك الحوثي , محور المقاومة](http://cloud.webangah.ir/ar/news/files/medias/photos/webangah/cloud/storage/wp-content/uploads/2026/06/webangah-1c68536772575b8ee1af561daebe155c812e2a446c062dd397000a8184ff35f5.jpg)
وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، فإن التصريحات الأخيرة لعبد الملك الحوثي، زعيم حركة أنصار الله في اليمن، حول استعداد الحركة لـ "أي مستوى من التصعيد في الصراع بالمنطقة"، تعد جزءًا من رسالة ردع موجهة إلى الولايات المتحدة والنظام الصهيوني والجهات الإقليمية التي سعت خلال الأشهر الماضية إلى تغيير موازين القوى في غرب آسيا لصالحها من خلال الضغوط العسكرية والسياسية.
تُظهر التطورات التي شهدتها السنتان الماضيتان أن اليمن لم يعد لاعبًا هامشيًا في المعادلات الإقليمية. فالدولة التي عانت سنوات من الحرب الأهلية والعدوان الخارجي، أصبحت اليوم أحد أهم عناصر الردع في محور المقاومة، وهي عنصر استطاع أن يؤثر، متجاوزًا جغرافيته، على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية والحسابات الأمنية للقوى الكبرى.
إسرائيل الكبرى: مخطط لتغيير خريطة المنطقة
تحدث زعيم أنصار الله عن مشروع وصفه بـ "إسرائيل الكبرى" ومحاولة لتغيير خريطة الشرق الأوسط. وبعد حرب غزة، يعتقد العديد من المراقبين أن النظام الصهيوني وحلفاءه الغربيين يسعون إلى تشكيل ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، تهدف في المقام الأول إلى تقييد اللاعبين المستقلين وإزالة قدرات المقاومة من المعادلات المستقبلية لغرب آسيا.
في ظل هذه الظروف، لا تعتبر اليمن نفسها مجرد مدافع عن مصالحها الوطنية، بل تعرف نفسها كجزء من جبهة إقليمية تمتد من غزة إلى لبنان والعراق ونقاط أخرى في المنطقة. ومن هذا المنظور، يتحدث عبد الملك الحوثي عن التنسيق المستمر مع محور المقاومة، محذرًا من أن أي حرب شاملة ضد هذه الجبهة ستواجه برد متبادل.
الموقع الجيوسياسي لباب المندب
ما يمنح هذه التحذيرات وزنًا أكبر ليس فقط القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة اليمنية، بل الموقع الجيوسياسي الفريد لهذه الدولة. يُعد باب المندب أحد أكثر ممرات الطاقة والتجارة العالمية حساسية. مضيق باب المندب هو أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. يبلغ عرض هذا الممر المائي في أضيق نقاطه حوالي 30 كيلومترًا، ويقع بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا في القرن الأفريقي. وتكمن أهمية باب المندب لدرجة أن العديد من الخبراء يعتبرونه، إلى جانب مضيق هرمز وقناة السويس، أحد الممرات الرئيسية الثلاثة للتجارة العالمية.
وفقًا للتقديرات الدولية، يمر عبر هذا المسار يوميًا أكثر من 6 ملايين برميل من النفط والمشتقات النفطية. كما يعتمد حوالي 12% من التجارة البحرية العالمية وحوالي 30% من حركة الحاويات العالمية، بشكل مباشر أو غير مباشر، على أمن هذا الممر المائي. تعبر عشرات الآلاف من السفن التجارية وناقلات النفط والسفن العسكرية باب المندب سنويًا.
أي اضطراب في هذا الممر يمكن أن يجبر السفن على الالتفاف حول قارة أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، وهو مسار يزيد الرحلة البحرية بحوالي 6 إلى 10 آلاف كيلومتر ويزيد بشكل كبير من تكاليف النقل العالمية. لهذا السبب، لا يعتبر التحكم في باب المندب وأمنه مسألة إقليمية فحسب، بل هو موضوع حيوي للاقتصاد والأمن الدوليين.
تصل أهمية هذا الممر إلى درجة أن وسائل الإعلام ومراكز الدراسات الغربية حذرت مرارًا من الدور الحاسم لليمن في الأمن البحري العالمي. إن مرور ملايين البراميل من النفط يوميًا وحجم هائل من التجارة العالمية عبر باب المندب يجعل أي انعدام للأمن في هذه المنطقة يؤثر فورًا على أسواق الطاقة العالمية وتكاليف النقل البحري وسلاسل التوريد الدولية.
اليمن.. قوة تتجاوز الصواريخ والطائرات المسيرة
لهذا السبب، وخلافًا للاعتقاد السائد، لا تقتصر قوة اليمن على عدد صواريخها أو طائراتها المسيرة. إن الميزة الاستراتيجية الأهم لهذه الدولة هي قدرتها على التأثير على أحد أكثر شرايين الاقتصاد العالمي حساسية. هذا هو العامل الذي أجبر العديد من شركات الشحن الدولية خلال الأشهر الماضية على تغيير مسارات سفنها وزيادة تكاليف الشحن.
في الواقع، إذا أصبحت غزة رمزًا للمقاومة الشعبية، فقد أصبحت اليمن أحد رموز تحويل الجغرافيا إلى قوة استراتيجية. دولة كانت تحت الحصار لسنوات، باتت قادرة الآن على التأثير على جزء من أهم المعادلات الأمنية العالمية.
من منظور الولايات المتحدة أيضًا، الوضع أكثر تعقيدًا من ذي قبل. حاولت واشنطن في السنوات الأخيرة إدارة عدة أزمات في وقت واحد؛ من حرب أوكرانيا إلى المنافسة مع الصين في شرق آسيا ودعم النظام الصهيوني في غرب آسيا. في ظل هذا الوضع، فإن فتح جبهة جديدة واسعة في المنطقة يمكن أن يكلف الولايات المتحدة تكاليف باهظة.
إن تحذير عبد الملك الحوثي بشأن محاولة واشنطن جر محور المقاومة إلى مواجهة شاملة يمكن تحليله في هذا السياق. لقد أظهرت التجربة أنه كلما سعت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى زيادة الضغط العسكري، حاول محور المقاومة موازنة التهديد لرفع تكلفة اتخاذ القرار على الطرف الآخر.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار كلام زعيم أنصار الله جزءًا من استراتيجية الردع؛ استراتيجية تهدف إلى منع الأخطاء الحسابية في واشنطن وتل أبيب. في الأدبيات الأمنية، يكون الردع فعالًا عندما يصل الطرف الآخر إلى استنتاج مفاده أن تكلفة العمل العسكري أكبر من فوائده المحتملة. اليمن تسعى الآن لنقل هذه الرسالة.
تحذير لدول المنطقة
نقطة مهمة أخرى هي التحذير الصريح لعبد الملك الحوثي لدول المنطقة بشأن الانخراط في حرب نيابة عن النظام الصهيوني. هذا الجزء من تصريحاته يشير إلى أن قادة أنصار الله يعتقدون أن بعض الجهات الفاعلة الإقليمية قد تدخل الساحة في إطار الخطط الأمريكية لاحتواء المقاومة. ومع ذلك، فقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أن العديد من الحكومات الإقليمية تدرك أيضًا عواقب أي حرب شاملة ولا تميل كثيرًا إلى أن تصبح جزءًا من صراع واسع.
الحقيقة هي أن منطقة غرب آسيا تقف اليوم عند نقطة حساسة. من ناحية، يسعى النظام الصهيوني إلى إدارة أزماته الأمنية من خلال الضغط العسكري وتغيير موازين القوى الإقليمية، ومن ناحية أخرى، يسعى محور المقاومة إلى منع تحقيق مثل هذه الأهداف من خلال الحفاظ على الردع وتعزيزه.
في خضم ذلك، اكتسب دور اليمن أهمية أكثر من أي وقت مضى. الدولة التي كانت تُعتبر سابقًا مجرد قضية إنسانية وأمنية، أصبحت الآن واحدة من الجهات الفاعلة الحاسمة في المعادلات الجيوسياسية للمنطقة. هذا التطور لا يمثل فقط تغيرًا في موازين القوى في غرب آسيا، بل يعكس أيضًا ظهور واقع جديد؛ واقع لا يمكن فيه تحليل أمن المنطقة بعد الآن دون الأخذ في الاعتبار دور الجهات الفاعلة غير الحكومية وحركات المقاومة.
خاتمة
في النهاية، الرسالة الرئيسية لتصريحات عبد الملك الحوثي واضحة: أي محاولة لتوسيع الحرب وفرض النظام الذي تريده أمريكا والنظام الصهيوني ستواجه ردًا واسعًا، أحد أهم بؤره هو اليمن. الدولة التي أصبحت اليوم ليست على الهامش، بل في صميم المعادلات الأمنية والاستراتيجية لغرب آسيا، ويمكنها أن تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل نتائج أي مواجهة جديدة إذا اندلعت.
لهذا السبب، ربما تكون النقطة الأكثر أهمية في التطورات الحالية هي أن اليمن لم تعد مجرد جبهة حرب، بل أصبحت واحدة من المكونات الرئيسية للردع الإقليمي؛ مكون يمكن أن يجعل أي حسابات لبدء حرب جديدة تواجه تعقيدات وتكاليف غير متوقعة.
