تقاطع مصالح مسکو و واشنگتن بشأن خطوط السكك الحديدية في أرمينيا وتحولات القوقاز

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، أعلن أليكسي أوفيرتشوك، نائب رئيس الوزراء الروسي، مؤخراً على هامش اجتماع نادي نقاش «فالداي» الدولي، أن موسكو اقترحت على أرمينيا إعادة بناء قسمين من شبكة خطوطها الحديدية: مسار يراسخ في جنوب يريفان إلى شورور في شمال جمهورية نخجوان ذاتية الحكم، ومسار غيومري إلى معبر دوغوکاپی على الحدود التركية. وأوضح أوفيرتشوك أن الجزأين المعنيين تقعان في إطار امتياز تشغيل شركة السكك الحديدية الروسية، مؤكداً استعداده للمشاركة في إحيائهما لتطوير اتصالات النقل الأرمينية عبر كلا المسارين. كما أشار إلى عقد لقاءات هامة في المستقبل القريب لدفع هذا الموضوع قدماً، وهي لقاءات من المرجح أن ترتبط بزيارة رئيس شركة السكك الحديدية الروسية إلى العاصمة الأرمينية يريفان.
وتأتي هذه المبادرة الروسية في وقت تسعى فيه حكومة نيكول باشينيان إلى توسيع علاقاتها العابرة للحدود مع أنقرة وباكو. وكان رئيس الوزراء الأرميني قد أعلن في وقت سابق عن طرح مناقصات لتحسين الطرق المؤدية إلى الحدود التركية والأذربيجانية دون الاعتماد على المساعدة الروسية، رغم بقاء المشاورات مع الطرف الروسي قائمة بقوة.
وتعد اتفاقية منح امتياز تشغيل السكك الحديدية الأرمينية لموسكو للفترة من 2008 إلى 2038 نقطة خلاف رئيسية. ومن منظور الحكومة الأرمينية، يمكن أن تعرقل هذه الاتفاقية دخول المستثمرين الدوليين وتسد طريق اتصال أرمينيا بشبكات العبور الجديدة بين الشرق والغرب.
وفي السابع من أكتوبر، وأ عشية المفاوضات المحتملة حول مستقبل هذه الاتفاقية، أعلن رئيس الوزراء الأرميني أن الأسس القانونية اللازمة لإلغائها متوفرة. ومع ذلك، اعتبر نقل امتياز التشغيل إلى دولة ثالثة مقبولة لدى كل من موسكو ويريفان الخيار الأفضل. وفي السابق، تم تداول أسماء كازاخستان وبعض الدول العربية بشكل غير رسمي في هذا السياق، غير أنه لم يصدر حتى الآن قرار رسمي بشأن إلغاء الاتفاقية المذكورة.
وفي الطبقة السفلى من هذه التوترات، يجري تنافس جيوسياسي للسيطرة على ممرات النقل المستقبلية. ويسعى باشينيان إلى زيادة الموارد المالية الناجمة عن العبور والاستثمار الأجنبي عبر ربط اتصالات أرمينيا بالدول المجاورة، بينما تؤكد روسيا على الحفاظ على مصالحها استناداً إلى الاتفاقية الحالية وما أنفقته من تكاليف.
واستناداً إلى تصريحات أولغ بيلوزروف، المدير التنفيذي لشركة السكك الحديدية الروسية، بلغ استثمار هذه الشركة والشركة التابعة لها (السكك الحديدية لجنوب القوقاز) في أرمينيا خلال الفترة بين 2008 و2025 نحو 396 مليون دولار. ونتيجة لذلك، تتوقع موسكو، في حال إلغاء الاتفاقية أو مراجعتها، تحديد مصير استثماراتها والنظر في إمكانية استرداد الموارد المنفقة. وعليه، فإن أي تغيير في هيكل إشراف شبكة السكك الحديدية الأرمينية سيترافق، إلى جانب الاعتبارات السياسية، بمسائل قانونية ومالية معتبرة.
وفي السياق ذاته، أضفت خطة «مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي» (المعروفة بـ تريب) أبعاداً جديدة على منافسات القوقاز. وعلى الرغم من جهود أرمينيا للاستفادة من هذا المشروع لفتح الحدود وإحياء السكك الحديدية، فإن الحضور المحتمل لعوامل خارجية في إدارته يمثل جرس إنذار لأمن الجيران، وخاصة إيران.
وأعلن باشينيان مؤخراً أن الحكومة الأرمينية تعمل بشكل يومي لدفع مشروع تريب قدماً، متوقعاً أن يؤدي تنفيذه إلى فتح الحدود الأرمينية التركية وإحياء الاتصالات الحديدية للبلاد مع تركيا وأذربيجان. وتأمل يريفان أيضاً، في إطار مبادرة «تقاطع الطرق للسلام»، في استغلال موقعها الجغرافي لزيادة طاقة العبور؛ سيما في حال تشكل الرابط بين مسار الشمال والجنوب من روسيا نحو دول الخليج الفارسي وجنوب آسيا، ومسار الغرب والشرق بين الصين وآسيا الوسطى وأوروبا.
مع ذلك، تواجه تحقيقات مثل هذه الرؤية عقبات جدية. وقد رجحت بعض وسائل الإعلام الروسية أن تكون توقعات الحكومة الأرمينية مبنية على فرضية سيطرة النفوذ الأمريكي على إيران، وهي فرضية تُقيم على أنها غير قابلة للتحقق في ظل صمود طهران أمام ضغوط واشنطن والظروف المأزومة في غرب آسيا.
وفيما يتعلق بالتحولات الإقليمية، نُشرت تقارير عن احتمال استئناف العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في أوائل نوفمبر وبعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية. وأشارت مجلة أتلانتيك إلى طلب ترامب من البنتاغون دراسة الخيارات العسكرية ضد أهداف إيرانية، بينما أفادت صحيفة نيويورك تايمز بوجود إحجام لدى ترامب عن هذه الخطوات ورفضه للخطط الهجومية. كما أكد دونالد ترامب في الثامن من أكتوبر على منصة تروث سوشال أن الولايات المتحدة لن تشن هجوماً عسكرياً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي.
وبغض النظر عن صحة هذه التقارير، فإن استمرار التوتر بين طهران واشنطن يلقي بظلاله على معادلات العبور في المنطقة. ومن وجهة نظر الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن إنشاء أي بنية تحتية عسكرية أو أمنية أو استخباراتية من قبل الولايات المتحدة بجوار الحدود الشمالية الغربية للبلاد، حتى في قالب مشاريع اقتصادية، يُعد تهديداً أمنياً، ولذلك لا يمكن لطهران اعتبار تطورات «مسار تريب» مجرد قضية تجارية.
وقد حاول وزير الخارجية الأرميني، آرارات ميرزویان، خلال زيارته الأخيرة لإيران، تخفيف مخاوف الجيران بشأن هذه الخطة، إلا أن الغموض المحيط بآلية التنفيذ والترتيبات الأمنية ما زال قائماً. وفي المقابل، أكد الرئيس الإيراني، مسعود پزشکیان، خلال لقائه مع باشينيان في تركمانستان، على ضرورة توسيع التعاون الثنائي وتعزيز الثقة المتبادلة وتطوير العلاقات في كافة المجالات. وتُظهر هذه المواقف أن طهران ويريفان، ورغم وجود اختلافات ومخاوف محتملة، تواصلان إيلاء الأهمية للحفاظ على العلاقات الثنائية وتطويرها.
وإلى جانب التحديات السياسية والأمنية، تلقي الغموض الهيكلي وتوازنات العبور بظلالها على مستقبل مشروع تريب. فتنفيذ هذا المشروع قد يقلل من احتكار مار العبور الأذربيجاني إلى نخجوان عبر إيران ويغير التوازن الاتصالي في المنطقة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، طُرحت تكهنات بشأن تقاطع المصالح التجارية الروسية مع ممر ترامب، بما في ذلك احتمالية المشاورات بين موسكو واشنطن ودور شخصيات مثل كونستانتين سوكولوف، رئيس صندوق الاستثمار (Trans-Caspian Enterprise Fund)، وتبعية الشركات المرتبطة به للهياكل الاقتصادية الروسية.
وفي سبتمبر 2026، حسمت شركة (Dynamic Frontier Holdings) التابعة لسوكولوف شراء 100 بالمئة من أسهم شركة تدير منجم النحاس والموليبدنوم تغوت في أرمينيا. وكان بنك (VTB) الروسي من كبار المقرضين لهذا المنجم ولعب دوراً في تمويل بعض المشاريع المرتبطة بمجموعات دريباسكا التجارية.
وفي الوقت ذاته، تتحدث بعض التحليلات عن إحتمال إبرام صفقة كبرى بين موسكو واشنطن بشأن الملف الأوكراني والتي قد تؤثر على مستقبل هذه المسارات، رغم أنه لا يمكن ربطها بشكل قاطع حتى صدور أخبار موثوقة.
باختصار، يقع أفق السكك الحديدية الأرمينية وممرات جنوب القوقاز في تقاطع النزاعات القانونية بين يريفان وموسكو وتنافس القوى فرامق الإقليمية والمخاوف الأمنية الإيرانية، ويبقى مستقبلها مرتبطاً بتسوية هذه المتغيرات المعقدة.
