صفقة ترامپ وشی الخفية اتفاق تجاري في ظل استمرار المنافسة الاستراتيجية

وبحسب المكتب الدولي لوكالة ويبانقاه الإخبارية، بعد أيام قليلة فقط من اتفاق دونالد ترامب وشي جين بينغ على خفض الرسوم الجمركية المتبادلة بشكل متزامن، عمدت واشنطن إلى إبطاء وتيرة صادرات قطعات الطائرات إلى الصين بهدف امتلاك ورقة ضغط أقوى خلال المفاوضات المتعلقة بالمعادن الاستراتيجية. إن تزامن هذه الخطوة مع الإعلان عن التفاهمات التجارية يطرح تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان البلدان يسعيان حقاً لتسوية الخلافات، أم أنهما يمحضان في الحفاظ على أدوات الضغط المتبادلة لمواصلة التنافس الاستراتيجي بتكلفة أقل.
ينبغي قراءة الاتفاقيات الأخيرة بين الولايات المتحدة والصين في سياق مساعي أكبر اقتصادين في العالم للحيلولة دون عودة حرب الرسوم الجمركية. فقد أثبت تصعيد الرسوم والتدابير الانتقامية في عام 2025 أن المواجهة التجارية قادرة على زعزعة سلاسل الإمداد وعرقلة خطط الشركات الدولية. ومن هذا المنطلق، فإن تمديد الهدنة حتى 10 يناير 2027 لا يعد مؤشراً على نهاية الخلافات قدر ما يمثل فرصة لمواصلة التفاوض وتفادي تفاقم التوتر.
تمثل إحدى ثمار المفاوضات التوافق حول إطار لخفض الرسوم الجمركية المتبادلة لنحو 30 مليار دولار من السلع من كل طرف. ووفقاً لما أعلنته وزارة التجارة الصينية، فإن أكثر من 90 بالمئة من البضائع المشمولة بهذا الإطار ستعفى من الرسوم الإضافية المتبادلة، وتضم قائمة الصادرات الصينية الموجهة إلى أمريكا سلعاً كالألعاب، والأجهزة المنزلية، والمنتجات المخصصة للأطفال.
وفي المقابل، تركز بكين على استيراد المنتجات الزراعية، والمعدات الطبية، والسلع الصحية، والفحم. ومع ذلك، فإن تنفيذ هذا الإطار يخضع لاستكمال الإجراءات القانونية الداخلية، ولا ينبغي المساواة بين الاتفاق الأولي والتنفيذ الكامل لخفض الرسوم.
وبات شراء المنتجات الأمريكية أداة مساومة بيد إدارة ترامب؛ فقد أعلن البيت الأبيض في مايو 2026 عن التزام الصين بشراء ما لا يقل عن 17 مليار دولار سنوياً من المنتجات الزراعية الأمريكية بين عامي 2026 و2028، بمعزل عن المشتريات المتعلقة بفول الصويا. كما أُدرجت صفقة مبدئية لشراء 200 طائرة بوينغ ضمن قائمة الاتفاقيات المعلنة. وتكتسي هذه التعهدات أهمية اقتصادية وسياسية للزراع والصناعات الأمريكية، إلا أن قيمتها الفعلية تبقى رهناً بتنفيذ الالتزامات وتثبيت الطلبيات القطعية.
وعلى الرغم من هذه التطورات، تظل الخلافات قائمة بشأن الميزان التجاري وهيكل اقتصاد البلدين. فانتقادات واشنطن تتمحور حول محدودية وصول الشركات الأمريكية إلى السوق الصينية وسياسات بكين الصناعية، بينما تعتبر الصين القيود التجارية والتكنولوجية الأمريكية عقبة أمام تنافسية شركاتها. إن خفض الرسوم على قطاع من السلع لا يحل النزاع حول شروط المنافسة، أو دور الدولة في الاقتصاد، أو نفاذ الشركات إلى أسواق الطرف الآخر.
وإذا كانت الرسوم الجمركية أداة جليّة للضغط الاقتصادي، فإن التقنيات المتقدمة والمعادن الاستراتيجية تقع في طبقة أعمق من التنافس بين القوتين. تسعى واشنطن لتقييد وصول الصين إلى تقنيات تؤدي دوراً حاسماً في تطوير القدرات الحسابية المتطورة والتطبيقات العسكرية، فيما ترى بكين هذه القيود محاولة لإبطاء تقدمها التقني وتمضي قدماً في تعزيز قدراتها المحلية بمجالي أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي.
وتعد رقاقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة نموذجاً ساطعاً لهذا الخلاف؛ إذ تربط السياسة التصديرية الأمريكية حصول الشركات الصينية على بعض الرقاقات ومعدات تصنيع أشباه الموصلات برخص وشروط محددة. تعتبر واشنطن هذه القيود أداة للسيطرة على نقل التقنيات الحساسة، لكنها قد تفضي بالنسبة للشركات الأمريكية إلى تراجع الإيرادات والفرص التجارية جراء تقلص السوق الصينية. وفي السياق ذاته، تسعى الصين عبر دعم المصنعين المحليين إلى خفض اعتمادها على الموردين الأمريكيين، ما يوضح أن النزاع يتجاوز البعد التجاري ليطال مستقبل صناعة الذكاء الاصطناعي.
أما المعادن الاستراتيجية فتمثل الطرف الآخر من المعادلة، حيث تحظى الصين بموقع متقدم في استخراج ومعالجة بعض عناصر الأرض النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية، والمركبات الكهربائية، ومنظومات الطاقة، والأجهزة الإلكترونية. ويحتاج إيجاد بدائل لسلسلة الإمداد الصينية إلى وقت واستثمارات طائلة، ومن ثم فإن القيود التصديرية التي تفرضها بكين قادرة على التأثير في حسابات واشنطن، تماماً كما تؤثر القيود التكنولوجية الأمريكية على الخطط الصناعية الصينية.
تدرك واشنطن وبكين أن تفاقم الحرب التجارية سيخلف تكاليف باهظة على اقتصاديهما الداخليين. فارتفاع الرسوم مجدداً قد يرفع تكلفة استيراد السلع ومدخلات الإنتاج في الولايات المتحدة، ناهيك عن اعتماد قطاعات واسعة من الزراعة والصناعة الأمريكية على السوق الصينية لتصريف منتجاتها. وعليه، فإن التوافق على شراء المنتجات الزراعية والطائرات والسلع الصناعية يعد مكسباً اقتصادياً وسياسياً لإدارة ترامب.
مع ذلك، يرى الخبراء وجوب موازنة إدارة ترامب بين انتزاع امتيازات اقتصادية من بكين والحفاظ على القيود اللازمة لحماية التقنيات الحساسة. فالواجبا الأمنية وضغوط التيارات الرافضة لتقديم تنازلات تكنولوجية تفرض هامش مناقشة ضيقاً على واشنطن، مما يجعلها مستعدة لتقديم تنازلات تجارية مقابل التمسك بمواقف أكثر صرامة في القضايا المرتبطة بالأمن القومي.
ومن جانبها، ورغم جهودها لتقليص الاعتماد على أمريكا، تستفيد الصين من الوصول إلى السوق الأمريكية واستقرار التجارة العالمية. صحيح أن تشديد الرسوم يضغط على صادرات بعض الصناعات الصينية، لكن بكين ترفض تحول الاتفاقيات التجارية إلى وسيلة للقبول بقيود واسعة تعرقل تطوير تقنياتها المحلية. يتيح الحفاظ على الهدنة والتفاوض حول سلع بعينها للصين تخفيف الضغط الفوري عن صادراتها ومواصلة مسار تطوير قدراتها التقنية.
يؤكد العديد من الخبراء أن الاتفاق التجاري لا يعني تسوية الخلافات السياسية والأمنية، إذ تظل قضايا كتایوان والقيود التكنولوجية والتنافس على النفوذ الإقليمي بحاجة إلى تفاهمات أكثر تعقيداً. فاللقاءات المباشرة بين الزعماء والآليات المشتركة تسهم في تقليل احتمالات سوء الفهم والتصعيد غير المخطط، لكنها وحدها لا تزيل النزاع حول المصالح الاستراتيجية. لذلك، يحاول الطرفان تقديم تنازلات محدودة في مجالات التوافق دون التخلي عن ركائز قوتهما الأساسية.
ويرتبط استقرار التفاهم بين واشنطن وبكين بعدة تطورات تشمل التنفيذ الفعلي لخفض الرسوم، ومدى الوفاء بالتعهدات الصينية بشراء المنتجات الأمريكية، ومسار صادرات المعادن الاستراتيجية، وقرارات أمريكا بشأن رخص تصدير الرقاقات. كما سيحدد أداء آليات التجارة والاستثمار المشتركة ما إذا كانت هذه المؤسسات قادرة على معالجة الخلافات التنفيذية أم أنها ستقتصر على كونها قناة لاستمرار الحوار فحسب.
وتؤثر الانتخابات النصفية الأمريكية القادمة في مسار صنع القرار بواشنطن، لا سيما فيما يخص صادرات التكنولوجيا وحجم التنازلات الممنوحة للصين، رغم صعوبة الجزم بنتائج تلك التطورات مسبقاً.
وقد أتاح تمديد الهدنة حتى 10 يناير 2027 مهلة واضحة لاستمرار التفاوض. وما إذا كانت هذه الفرصة ستفضي إلى اتفاق أشمل أم أن الطرفين سيلجآن لتجديد التفاهمات المحدودة يظل رهناً بتنفيذ الالتزامات وقدرة الطرفين على إدارة الخلافات الجوهرية.
في مجمل الأمر، لا تعد الصفقات الاقتصادية بين ترامب وشي مؤشراً على نهاية صراع القوتين، بل هي مسعى لاحتواء تكاليفه. تسعى الولايات المتحدة لتوسيع أسواقها التصديرية والحفاظ على قيودها التقنية، بينما تريد الصين صيانة وصولها للأسواق العالمية، وخفض ضغط الرسوم، والمضي قدماً في مسار تقدمها الصناعي.
وهكذا، تحولت الرسوم والرقاقات والمعادن إلى أدوات مساومة يحاول الطرفان من خلالها انتزاع مكاسب اقتصادية من دون التنازل عنها كلياً؛ ولذا ينبغي النظر إلى الاتفاقيات الراهنة باعتبارها شراءً للثبات وتأجيلاً لخلافات لم تسو بعد.



